وكالة مهر للأنباء – هادي رضائي: منذ الساعات الأولى للعملية العسكرية ضد إيران، سعت إدارة ترامب بكل قوتها إلى ترسيخ رواية «النصر الحاسم والتاريخي» في وسائل الإعلام والرأي العام. وفي عدة خطابات وطنية، أعلن ترامب أن البرنامج النووي الإيراني «دُمّر بالكامل»، وأن قيادة الحرس الثوري «أُصيبت بالشلل»، وأن البحرية الإيرانية دُمّرت ولم يعد لدى إيران سلاح جو فعّال، كما أن الصواريخ الباليستية الإيرانية «استُنفدت أو دُمّرت تقريباً بالكامل».
لكن بعد ثلاثة أشهر من بدء المواجهة، قدّمت التقارير الاستخباراتية الداخلية الأمريكية، والتقييمات المستقلة المعتمدة على صور الأقمار الصناعية، والبيانات الاقتصادية العالمية، واستطلاعات الرأي الميدانية، صورةً مختلفة تماماً. واستناداً إلى مصادر غربية ودولية موثوقة، يتضح أن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة فحسب، بل فرضت أيضاً تكاليف باهظة على المكانة العسكرية والاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة.
1- الإخفاق الأول: البرنامج النووي – تأخير مؤقت لا تدمير كامل
كان المبرر الرئيسي للحرب هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وبعد الضربات مباشرة، ادّعى ترامب أن منشآت نطنز وفوردو وأصفهان «دُمّرت بالكامل».
غير أن التقييم الأولي السري الصادر عن وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA)، إضافة إلى تقارير الأقمار الصناعية اللاحقة، أظهرت ما يلي:
-
اقتصرت الأضرار بشكل أساسي على المنشآت السطحية والمداخل والمرافق الداعمة.
-
بقيت الأقسام الرئيسية تحت الأرض وأجهزة الطرد المركزي المتطورة سليمة إلى حدّ كبير.
-
لم يتأخر برنامج التخصيب الإيراني سوى ما بين 6 و18 شهراً.
كما أعلن رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أنه لم يعد قادراً على تتبع نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وحتى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس اعترف علناً بأن واشنطن لا تعرف الموقع الدقيق لهذه الكمية.
2- الإخفاق الثاني: مضيق هرمز – سلاح اقتصادي قوي في يد إيران
يُعدّ منح إيران ورقة مضيق هرمز أكبر فشل استراتيجي للولايات المتحدة. وقد وصف علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، ذلك بأنه «منح طهران سلاح دمار اقتصادي شامل».
ومنذ بداية الحرب:
-
فرضت إيران عملياً سيطرة تشغيلية على المضيق، وحتى بعد وقف إطلاق النار المؤقت، بقي عبور السفن خاضعاً لقيود مشددة وتكاليف إضافية.
-
تحولت أزمة مضيق هرمز بسرعة إلى أزمة طاقة عالمية، وشُبّهت بأزمة قناة السويس عام 1956.
وفي هذا السياق كتب فرانك غاردنر من هيئة الإذاعة البريطانية (BBC): «لقد خرجت إيران من قفصها».
3- الإخفاق الثالث: صدمة اقتصادية لأمريكا والعالم
أثرت الحرب بشكل مباشر على الحياة اليومية للأمريكيين:
-
ارتفع سعر النفط الخام من 67 دولاراً إلى أكثر من 110–120 دولاراً في بعض الفترات، بزيادة بلغت نحو 80%.
-
تجاوز سعر البنزين 5 دولارات للغالون في عدة ولايات أمريكية.
-
ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بنحو 20%.
-
أدى التضخم الناتج عن اضطرابات سلاسل إمداد الطاقة إلى زيادة الضغوط على الأسر الأمريكية وعلى معظم دول العالم.
وقد حذر اقتصاديون ومركز التقدم الأمريكي من أن العودة إلى مستويات الأسعار التي كانت سائدة قبل الحرب ستكون بطيئة وغير مكتملة. ويأتي ذلك في وقت كان ترامب يعتبر تحقيق أسعار بنزين تقل عن 3 دولارات أحد أبرز إنجازاته.
4- الإخفاق الرابع: تراجع الشعبية وتعميق الانقسام السياسي
سرعان ما تحولت الحرب إلى أزمة سياسية داخلية لترامب:
-
أظهر استطلاع Reuters/Ipsos (أبريل 2026) أن نسبة تأييد الرئيس تراوحت بين 34% و36%.
-
أظهرت استطلاعات AP-NORC وStrength in Numbers نسب تأييد تراوحت بين 33% و35%.
-
لم يؤيد قرار شن الحرب سوى 34% من الأمريكيين.
-
انخفضت نسبة الرضا عن أداء ترامب الاقتصادي إلى ما بين 23% و25%.
وقد اعتبرت أغلبية الناخبين، ولا سيما المستقلين منهم، أن هذه الحرب «قرار خاطئ» لم يحقق أهدافه.
5- التناقض في الرواية: ادعاء النصر في مواجهة الواقع المرير
تناولت قناة الجزيرة ووسائل إعلام أخرى هذا التناقض على نطاق واسع؛ فبينما يتحدث ترامب عن «نصر كامل» و«اتفاق وشيك»، تشير الوقائع إلى أن:
-
بنية السلطة في إيران ما تزال قائمة.
-
عمليات التخصيب لم تتوقف.
-
فُرضت قيود وسيطرة جديدة في مضيق هرمز.
-
لم تُسلَّم مخزونات اليورانيوم.
وقد أثار هذا التناقض تساؤلات جدية حول مصداقية رواية إدارة ترامب.
6- أصوات ناقدة من داخل المؤسسة الأمريكية
أشار محللون أمريكيون بوضوح إلى أوجه القصور في التخطيط. وأكد صحفيون في صحيفة نيويورك تايمز وشبكة CNN أن إدارة ترامب افتقرت منذ البداية إلى استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب وإدارة تداعياتها الاقتصادية.
كما رأى خبراء عسكريون أن قدرة إيران على الصمود، واستخدامها الفعال لأساليب الحرب غير المتماثلة، فضلاً عن الدعم الضمني من روسيا والصين، تجاوزت التقديرات التي وضعها البنتاغون.
مغامرة مكلفة بلا انتصار استراتيجي
إن الركائز الثلاث الأساسية التي استند إليها تبرير الحرب — تدمير البرنامج النووي الإيراني، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وتعزيز الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة — إما أنها لم تتحقق أو أنها أفضت إلى نتائج عكسية.
فعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بها، تمكنت إيران من إظهار قدرتها على الصمود، وخلق أوراق قوة جديدة، وإحباط خصومها ومنعهم من تحقيق أهدافهم في معظم المجالات.
في المقابل، دفعت الولايات المتحدة أثماناً عسكرية واقتصادية وسياسية باهظة، بينما استفاد منافسوها العالميون، وعلى رأسهم روسيا والصين، من هذه الأزمة لتعزيز مواقعهم.
وفي حروب القرن الحادي والعشرين، لم تعد الانتصارات تُقاس بعدد القنابل، بل بمدى تحقيق الأهداف السياسية. وبعد ثلاثة أشهر من اندلاع هذا الصراع، يبدو الأمر أقرب إلى نموذج للتوسع المفرط في استخدام القوة منه إلى نجاح عسكري أو سياسي. وربما سيسجل التاريخ هذه المغامرة باعتبارها مثالاً على القرارات المتسرعة والمكلفة.
/انتهى/
تعليقك