٠٢‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١٢:١٨ م

كيف أوقف تحذير إيران الهجوم على بيروت؟

كيف أوقف تحذير إيران الهجوم على بيروت؟

في خضم التطورات المتسارعة في غرب آسيا، قد يكشف حدثٌ عابرٌ عن حقيقةٍ جلية. وتُعدّ قصة تهديد الكيان الصهيوني بشنّ هجومٍ واسع النطاق على الضواحي الجنوبية لبيروت، وتراجعه المفاجئ بعد تحذيرات إيران، مثالاً على ذلك؛ حادثةٌ أظهرت مجدداً أن الجهات المُحرضة على الحرب، تستجيب في المقام الأول بلغة القوة.

وكالة مهر للأنباء: في الساعات القليلة الماضية، صعّد الكيان الصهيوني تهديداته ضد لبنان، ودعا سكان بعض مناطق الضواحي الجنوبية لبيروت إلى إخلاء منازلهم، وأفادت وسائل الإعلام العبرية بوجود استعدادات لهجومٍ واسع النطاق. كان الجو في المنطقة يتجه بسرعة نحو مواجهةٍ جديدة، وتوقع العديد من المراقبين أن تُشعل تل أبيب نار الحرب في لبنان من جديد.

ولكن في اللحظة التي بدا فيها كل شيءٍ مُهيأً لبدء هجومٍ جديد، تغيّرت المعادلة فجأة. أثارت المكالمة الهاتفية بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وما تلاها من أنباء تعليق العمليات، تساؤلاً هاماً لدى الرأي العام: ما الذي حدث ليُغيّر قرارٌ بهذه الأهمية في غضون ساعات؟

يكمن الجواب في الرسائل الواضحة والصريحة التي وجّهتها إيران. فقد أوضحت طهران أن وقف إطلاق النار الحالي لا يقتصر على جبهة واحدة، وأن أي عمل ضد لبنان يُعدّ انتهاكاً للاتفاقيات القائمة. وفي الوقت نفسه، وُجّهت تحذيرات عسكرية، تُنذر بأن أي عدوان جديد لن يمرّ دون ثمن، وأن نطاق الردود قد يتجاوز حسابات تل أبيب الأولية.

يكشف هذا عن حقيقة مهمة. فخلافاً للصورة التي تُقدّمها وسائل الإعلام الغربية أحياناً عن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فإن صُنّاع القرار في هذين الطرفين لا يتصرفون بناءً على مبادئ أخلاقية أو قانون دولي أو اعتبارات إنسانية، بل على أساس حسابات الربح والخسارة. فهم يُهاجمون عندما يعتقدون أن الطرف الآخر غير قادر أو غير راغب في الرد، ويتراجعون عندما يُقيّمون بجدية احتمال تكبّد خسائر فادحة.

يؤكد استعراض تاريخ التطورات في المنطقة هذا النمط. فمن لبنان إلى غزة، ومن سوريا إلى العراق، كلما وُجد فراغ في السلطة أو ضعف في الردع، ازداد نشاط آلات الحرب الأمريكية والصهيونية. إلا أنه كلما واجهت مقاومة فعّالة، وقوة للرد، وإرادة للمواجهة، غيّرت حساباتها. بعبارة أخرى، ما يمنع الحرب ليس الوعود الدبلوماسية، بل الخوف من تبعاتها.

ويمكن تحليل سلوك ترامب الأخير في هذا السياق. فالرئيس، الذي لطالما تحدث عن سياسة "السلام من خلال القوة"، يؤمن بمنطق القوة أكثر من أي سياسي آخر. وقد أظهر مرارًا وتكرارًا على الساحة الدولية أنه لا ينظر إلى التفاوض كأداة للتفاهم، بل كأداة لفرض الإرادة. ومن هذا المنطلق، فمن الطبيعي أن يمتنع عن تصعيد التوترات فقط عندما يرى قوة ردع.

من جهة أخرى، حاول بنيامين نتنياهو مرارًا وتكرارًا في السنوات الأخيرة تحويل الأزمات الخارجية إلى أداة لحل المشاكل الداخلية. يدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي تمامًا أن الحرب وانعدام الأمن قد يصرفان الرأي العام عن الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية الداخلية. ومع ذلك، حتى هو يضطر للتراجع عندما يرى احتمال اتساع رقعة الصراع وتزايد تكاليفه.

لهذا السبب، لا يمكن اعتبار وقف الهجوم على بيروت نتيجةً للوساطة أو الاتصالات الدبلوماسية وحدها. فالدبلوماسية لا تُجدي نفعًا إلا إذا كانت مدعومة بالقوة. وقد أثبتت التجارب أن التفاوض دون قوة، في أحسن الأحوال، يؤدي إلى وعود لا أساس لها، وفي أسوأ الأحوال، يشجع الطرف الآخر على تصعيد الضغط والمبالغة. وما كان فعالًا في الحادثة الأخيرة هو إدراك واشنطن وتل أبيب أن الاستمرار في هذا المسار قد تكون له عواقب تتجاوز توقعاتهما.

يحمل هذا الحدث أيضًا رسالةً مهمةً للبنان. ففي السنوات الأخيرة، حاولت الحكومة اللبنانية مرارًا وتكرارًا منع عدوان الكيان الصهيوني عبر الآليات الدبلوماسية والوساطة الدولية. إلا أن التجارب تُظهر أن ضمان الأمن القومي لا يمكن تحقيقه بالاعتماد فقط على الوعود الخارجية. فالقوى العظمى تدافع عن حقوق الدول عندما تقتضي مصالحها ذلك، وعندما تكون مصالح أخرى على المحك، فإنها تتجاهل حتى أبشع أنواع العدوان.

لذا، فإن ما يضمن أمن لبنان ليس البيانات الدولية أو الضمانات من القوى الأجنبية، بل إرساء معادلة الردع والحفاظ عليها. معادلةٌ يخلص فيها العدو إلى أن تكلفة العدوان ستفوق مصالحه. في ظل هذه الظروف فقط، سيقل احتمال نشوب الحرب، وسيتحقق الاستقرار الدائم.

أثبتت حادثة الضاحية الجنوبية لبيروت مجددًا أن القوة، في بيئة غرب آسيا المضطربة، تبقى العامل الأهم الذي يحدد سلوك الأطراف الفاعلة. لم يكن تراجع ترامب ونتنياهو عن هجومٍ كان على وشك التنفيذ نتيجةً لتغير مفاجئ في رؤيتهما للسلام والاستقرار، بل نتيجةً لتغير حساباتهما بشأن تكلفة العمل العسكري.

الدرس الرئيسي من هذه الحادثة واضح: في مواجهة أطرافٍ لها تاريخ طويل في إثارة الحروب والاحتلال وانتهاك القانون الدولي، لا يكفي الاعتماد على حسن النية. ما يمنع الحرب هو إرساء التوازن، وإظهار الإرادة، والحفاظ على الردع. أظهرت تجربة بيروت مرة أخرى أنه عندما تزداد تكلفة العدوان، حتى أكثر السياسيين تطرفاً يضطرون إلى التراجع، لأنهم في نهاية المطاف يفهمون لغة السلطة أكثر من أي لغة أخرى.

رمز الخبر 1971283

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha