وكالة مهر للأنباء: في الوقت الذي كثف فيه الكيان الصهيوني خلال الأيام الماضية هجماته على لبنان وهدد بتوسيع عملياته في الضاحية الجنوبية لبيروت، محاولاً تغيير المعادلات الأمنية الإقليمية لصالحه، فإن سلسلة من التحركات السياسية والدبلوماسية والعسكرية المنسقة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حولت المشهد في اتجاه آخر؛ وهو مسار يعتبره العديد من المراقبين دليلاً على التآزر الفعال بين الميدان والدبلوماسية في إدارة الأزمات الإقليمية.
تحذير منسقمنذ الساعات الأولى لانتشار التقارير حول احتمال توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية في بيروت، لم تعتبر طهران هذه التطورات مجرد قضية داخلية لبنانية. لقد استندت نظرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى مبدأ أن أمن لبنان هو جزء من نظام الأمن الجماعي في المنطقة، وأن أي عدوان واسع على هذا البلد يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الحدود اللبنانية.في هذا السياق، شهدنا الليلة الماضية تشكلاً لترتيب سياسي وأمني منسق. فمن ناحية، حذر القادة العسكريون الإيرانيون، بمواقف صريحة، من عواقب أي هجوم واسع على الضاحية وبيروت، ومن ناحية أخرى، وضعت الدبلوماسية الإيرانية على جدول أعمالها سلسلة من المشاورات الإقليمية والدولية المكثفة.كان تحذير اللواء الطيار علي عبد اللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، النقطة البارزة في هذا التنسيق. ففي إشارته إلى التهديدات الصهيونية ضد سكان الضاحية وبيروت، شدد على أنه "في حال تحققت هذه التهديدات، يجب على سكان المناطق الشمالية من الأراضي المحتلة والمستوطنات العسكرية أن يكونوا يقظين تجاه عواقب إجراءات تل أبيب". وهي رسالة أظهرت أن أي تغيير في قواعد الاشتباك لن يمر دون رد.
موقف دبلوماسي فعالبالتزامن مع هذه المواقف الميدانية، شهدت وزارة الخارجية الإيرانية أحد أكثر أيامها الدبلوماسية نشاطاً. حيث ناقش السيد عباس عراقجي، وزير الخارجية، في اتصالات منفصلة مع نظرائه في بلجيكا وفرنسا وتركيا وقطر وباكستان، الأبعاد المختلفة للتطورات في لبنان وخطر توسع الحرب في المنطقة.لم تكن أهمية هذه الاتصالات في عددها فقط، بل في إرسال رسالة واضحة للفاعلين الإقليميين والدوليين، مفادها أن لبنان ليس منفصلاً عن معادلة وقف إطلاق النار والاستقرار الإقليمي، وأن أي عمل مغامر ضد هذا البلد يمكن أن يؤثر على جميع المسارات الدبلوماسية القائمة لاحتواء الأزمة.
رسالة الليلةيكشف فحص مجمل تطورات الليلة الماضية أن طهران حاولت إظهار عنصري قوتها في وقت واحد: 1- القوة الردعية في الميدان، 2- والقدرة على التأثير في الساحة الدبلوماسية.هذه هي الاستراتيجية نفسها التي تم استخدامها مراراً في السنوات الأخيرة في الأزمات الإقليمية، وتم تفعيلها الآن تجاه لبنان.في ظل هذه الظروف، ما يلفت الانتباه أكثر من أي شيء آخر هو وحدة الرسالة الصادرة عن المؤسسات الإيرانية المختلفة. فقد تحدث القادة العسكريون، والجهاز الدبلوماسي، والمسؤولون السياسيون، وحتى الفاعلون الإقليميون، جميعهم ضمن إطار موحد؛ وهو إطار يؤكد على منع توسع الحرب وزيادة تكاليف أي مغامرة جديدة.على الرغم من أنه لا يزال من المبكر إصدار حكم نهائي حول مآل التطورات في لبنان، إلا أن مجمل المؤشرات المتاحة تشير إلى أن الرسالة المنسقة بين ميدان ودبلوماسية إيران تمكنت من التأثير في حسابات الطرف المقابل. وهي رسالة أظهرت أن أي محاولة لتوسيع الحرب في لبنان لن تواجه برد فعل قوى المقاومة فحسب، بل ستتحول إلى قضية إقليمية ذات أبعاد سياسية وأمنية أوسع.ربما كان أهم إنجاز لليلة الماضية هو إعادة إظهار هذه الحقيقة، وهي أنه في المعادلات الحساسة لغرب آسيا، عندما يتحرك الميدان والدبلوماسية في مسار واحد، فإن القوة الردعية تصل إلى أقصى حد لها.
/انتهى/

تعليقك