١٠‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ٣:٥٠ م

لماذا تُعدّ الضاحية الجنوبية لبيروت مهمّة لإيران؟

لماذا تُعدّ الضاحية الجنوبية لبيروت مهمّة لإيران؟

إنّ أهمية الضاحية بالنسبة لإيران تتجاوز العلاقة التقليدية بين “داعم” و”حليف”. فالضاحية تمثّل خط الدفاع الأول لإيران في مواجهة الكيان الصهيوني. وطالما بقي حزب الله قوياً في الضاحية، لن يتمكّن الكيان من التحرّك بحرية نحو الأهداف النووية أو العسكرية الإيرانية.

وكالة مهر للأنباء: ليست الضاحية الجنوبية مجرّد حيّ في جنوب بيروت، بل هي منطقة تضمّ نحو مليون نسمة (أي ما يعادل خُمس سكان لبنان)، وتُعدّ القلب السياسي والعسكري لحزب الله، حيث مراكز القيادة ومستودعات السلاح، كما تمثّل رمزاً للمقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني. وتقع سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية أيضاً ضمن هذه المنطقة. ويمارس حزب الله سيطرة كاملة على الضاحية، ويديرها بأسلوب شبه ذاتي.

خلال حربي 2006 و2023، تعرّضت الضاحية لقصفٍ عنيف من قبل الكيان الصهيوني، إلا أنّ حزب الله، بدعم من إيران، أعاد إعمارها مجدداً. إنّ دعم إيران لحزب الله ليس بالأمر الجديد، غير أنّ مسألة الضاحية تتجاوز ذلك بكثير؛ فكلّ من يسعى إلى إخراج حزب الله من الميدان، لا بدّ أن يبدأ من الضاحية، وهو ما تدركه إيران جيداً.

في الأيام الأخيرة، شنّ الكيان الصهيوني غارات مكثّفة على أهداف في الضاحية وبيروت، تحت عنوان شلّ قدرات حزب الله بشكل مفاجئ. إلا أنّ إيران ردّت على ذلك بإطلاق صواريخ باليستية نحو مركز الثقل للغارات الجوية على لبنان، أي قاعدة "رامات ديفيد" الجوية في شمال الأراضي المحتلة، في خطوة لم يكن كثيرون يتوقّعونها. والسؤال المطروح: لماذا أقدمت إيران على هذه الخطوة، وما هي تداعياتها؟

إنّ أهمية الضاحية بالنسبة لإيران تتجاوز العلاقة التقليدية بين “داعم” و”حليف”. فالضاحية تمثّل خط الدفاع الأول لإيران في مواجهة الكيان الصهيوني. وطالما بقي حزب الله قوياً في الضاحية، لن يتمكّن الكيان من التحرّك بحرية نحو الأهداف النووية أو العسكرية الإيرانية. ويؤدّي حزب الله دور الدرع الذي يصدّ التهديدات قبل وصولها إلى الحدود الإيرانية. أمّا سقوط الضاحية، فيعني عملياً كسر هذا الدرع واقتراب التهديد من إيران نفسها. لذلك، تُعدّ الضاحية خطاً أحمر استراتيجياً بالنسبة لطهران، وليس مجرّد التزام سياسي.

وقد أسفر الردّ الإيراني الأخير عن ثلاث نتائج رئيسية:

أولاً: أثبتت إيران مصداقية تهديداتها. فمنذ سنوات، كانت طهران تؤكد أنّ “أي اعتداء على حلفائنا سيُواجَه بردّ”، إلا أنّ كثيرين اعتبروا ذلك مجرّد خطاب دبلوماسي. غير أنّ العملية الصاروخية الأخيرة أظهرت استعداد إيران لتحمّل كلفة هذا الموقف، ما يفرض على صانعي القرار في تل أبيب وواشنطن إعادة حساباتهم، إذ بات واضحاً أنّ الردع الإيراني يتجاوز حدوده الجغرافية.

ثانياً: غيّرت إيران قواعد الاشتباك. فقبل ذلك، كان بإمكان الكيان الصهيوني استهداف لبنان دون خشية من ردّ مباشر من إيران. أمّا اليوم، فقد سقطت هذه المعادلة، وأصبح أي اعتداء على الضاحية قد يقابَل بردّ مباشر ومكلف، ما يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية بشكل كبير.

ثالثاً: وجّهت إيران رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة مفادها أنّه لا يمكن إدارة حرب أحادية ضدّها. إذ كانت واشنطن تسعى إلى إضعاف حزب الله عبر الكيان الصهيوني، والضغط على إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات، دون أن تتحمّل كلفة مباشرة. غير أنّ الردّ الإيراني أفشل هذا السيناريو، وأثبت أنّ الساحات مترابطة، وأنّ التصعيد في لبنان يعني تصعيداً في مجمل محور المقاومة. ولم تمضِ 24 ساعة على الردّ الإيراني حتى أعلنت إدارة ترامب رسمياً سعيها لخفض التوتر.

في الخلاصة، لم تعد الضاحية مجرّد حيّ في بيروت، بل تحوّلت إلى خطّ أحمر جديد في معادلات الشرق الأوسط. وقد أظهرت إيران من خلال هذا الردّ أنّها مستعدّة للدخول المباشر في المواجهة للحفاظ على هذا الخط. وقد تلقّى كلّ من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة هذه الرسالة بوضوح. ورغم صعوبة التنبؤ بمستقبل الأحداث، إلا أنّ أمراً واحداً يبدو مؤكداً: قواعد اللعبة تغيّرت، وإيران كانت الطرف الذي بادر إلى هذا التغيير.

"بقلم: دكتورعبدالوهاب فراتي – محلّل في الشؤون السياسية والدولية"

رمز الخبر 1971487

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha