٢٥‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ٣:٣٨ م

آية الله السيد مجتبى الحسيني في حوار خاص لمهر:

تشييع الإمام الشهيد هو تجديد للعهد مع قيم العزة والكرامة والاستقلال

تشييع الإمام الشهيد هو تجديد للعهد مع قيم العزة والكرامة والاستقلال

أكد السيد الحسيني أن الحضور الجماهيري الواسع يعكس عمق ارتباط الشعوب بقيم العزة والكرامة والاستقلال،وأن المرجعية الدينية تؤدي دوراً أساسياً في صون وحدة المجتمع, كما اعتبر أن التشييع يتجاوز كونه مناسبة للحزن والاستذكار ليشكل رسالة حضارية تؤكد تمسك الشعوب بخيار المقاومة.

وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبوالسبح: في ظل التفاعل الشعبي الواسع الذي شهدته الساحة العراقية عقب شهادة السيد القائد، برزت تساؤلات عديدة حول دلالات هذا الحضور الجماهيري، ورسائل التشييع، ودور المرجعية الدينية في إدارة المواقف المصيرية، فضلاً عن مستقبل القضايا الإسلامية الكبرى في وجدان الشعوب.

وفي هذا السياق، أجرت وكالة مهر للأنباء عن طريق مراسلها رسول حسين ابو السبح، حواراً خاصاً مع آية الله السيد مجتبى الحسيني، ممثل الإمام السيد علي الخامنئي في العراق، للوقوف على قراءته لهذه التطورات وما تحمله من أبعاد فكرية وثقافية وسياسية، وأكد الحسيني خلال الحوار أن التفاعل الشعبي لم يكن مجرد استجابة عاطفية لحدث مؤلم، بل تعبيراً عن عمق الارتباط بمشروع العزة والاستقلال الذي مثّله السيد القائد، مشدداً على أن الشعوب ما زالت تتمسك بالقيم الكبرى التي تحفظ كرامتها وهويتها رغم ما تواجهه من تحديات وضغوط.

سماحة السيد شهد الشارع العراقي تفاعلاً لافتاً مع شهادة السيد القائد، سواء عبر بيانات الإدانة أو الفعاليات الجماهيرية أو الحضور في الساحات العامة، كيف تفسرون هذا التفاعل الشعبي؟ وما الذي يكشفه عن طبيعة العلاقة الوجدانية والفكرية بين الجماهير العراقية والرموز الإسلامية المؤثرة في المنطقة؟

أعتقد أن ما يلامس وجدان الشعوب ويستقطب احترامها هو حضور القيم الإنسانية الكبرى في سلوك القادة ومواقفهم، وفي مقدمة تلك القيم العزة والحرية والاستقلال والثبات أمام الضغوط، ومن هذا المنطلق، فإن التفاعل الشعبي العراقي مع شهادة السيد القائد لم يكن وليد ظرف عابر أو موقف انفعالي مؤقت، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الثقة والإعجاب بمسيرة امتدت لعقود في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار.

لقد تابع العراقيون، كما تابع سائر أحرار المنطقة، كيف استطاعت الجمهورية الإسلامية تجاوز تحديات هائلة ومؤامرات معقدة، وكيف تمكنت من الحفاظ على استقلال قرارها وقوتها رغم الضغوط والحروب والحصار، وفي وجدان الكثيرين، كان السيد القائد يمثل رمزاً لهذا الثبات التاريخي، ولذلك جاء الحضور الشعبي الواسع تعبيراً عن ارتباط فكري ووجداني عميق بقيم المقاومة والكرامة والدفاع عن حقوق الشعوب.

حظيت مواقف الحوزة العلمية ومرجعية النجف الأشرف باهتمام واسع في مثل هذه المحطات المصيرية، كيف تقيمون أهمية الدور الذي تؤديه المرجعية الدينية في توجيه الرأي العام وترسيخ خطاب الحكمة والوحدة في أوقات الأزمات؟

المرجعية الدينية تتحمل مسؤولية كبرى في الحفاظ على المجتمع وصيانة وحدته واستقراره، ولذلك فإن مواقفها لا تُبنى على ردود الأفعال أو الاعتبارات الآنية، بل على قراءة دقيقة للواقع وتشخيص واعٍ للمصلحة العامة.

لقد مرت العراق خلال العقود الماضية بظروف استثنائية ومعقدة، بدءاً من الاستبداد السياسي وصولاً إلى التحديات الأمنية والاجتماعية والطائفية التي أعقبت سقوط النظام السابق، الأمر الذي جعل الحكمة والتروي من أهم متطلبات المرحلة، ومن هنا فإن المرجعية كانت وما زالت تمثل صمام أمان للمجتمع، إذ تعمل على ترسيخ الوعي، ومنع الانزلاق نحو الفتن، وتعزيز المشتركات الوطنية والإسلامية التي تجمع أبناء الشعب الواحد.

إن اختلاف أساليب التعاطي مع الأحداث بين المراجع لا يعني اختلافاً في الأهداف، بل يعكس اختلافاً في تشخيص الظروف والوسائل التي تحقق مصلحة الدين والأمة وتحفظ وحدة المجتمع.

يرى بعض المراقبين أن الحضور الجماهيري المتوقع في مراسم التشييع لا يقتصر على كونه تعبيراً عن الحزن، بل يحمل أبعاداً سياسية وثقافية وحضارية، كيف تقرؤون الرسائل التي يمكن أن يبعثها هذا المشهد إلى المنطقة والعالم؟

من الخطأ النظر إلى مثل هذه المشاهد الكبرى بوصفها تعبيراً عاطفياً مجرداً، فالتشييع في الثقافة الإسلامية يحمل دائماً مضامين أعمق من حدود الحزن والاستذكار.

إن الجماهير عندما تحتشد بهذا الحجم إنما تعبّر عن وفائها للمبادئ التي جسدها الإمام الشهيد في حياته، كما تؤكد تمسكها بالقيم التي دافع عنها وضحى من أجلها، ولذلك فإن هذا الحضور يبعث برسائل متعددة، سياسية وثقافية وحضارية، مفادها أن الشعوب لا تزال حية في ضميرها، متمسكة بهويتها، قادرة على التمييز بين من يعمل لمصالحها ومن يعمل ضدها.

كما أن هذه المشاهد تؤكد أن مشاريع العزة والاستقلال ما زالت تحظى باحتضان شعبي واسع، وأن الارتباط بالقيم الإسلامية الأصيلة لا يزال يشكل أحد أهم عناصر القوة في مجتمعاتنا.

في ظل التحولات الإقليمية الراهنة، هل يمكن اعتبار هذا الالتفاف الشعبي تجاه شهادة القائد مؤشراً على استمرار حضور القضايا الإسلامية الكبرى في وجدان الشعوب رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية؟

بلا شك، فإن ما نشهده اليوم يمثل دليلاً واضحاً على أن القضايا المصيرية للأمة ما زالت تحتفظ بمكانتها في وجدان الشعوب الإسلامية، وأن التحديات الاقتصادية والمعيشية لم تستطع أن تلغي حضور المبادئ الكبرى في الوعي الجمعي.

إن الجماهير لا تلتف حول الأشخاص لذواتهم، بل حول ما يمثلونه من قيم ومواقف ومشاريع، وعندما نرى هذا التفاعل الواسع، فإننا نرى في حقيقته التفافاً حول معاني الكرامة والاستقلال ورفض التبعية والدفاع عن حقوق المستضعفين.

ومن هنا فإن هذا المشهد يكشف عن حيوية الوعي الشعبي وقدرته على التمييز بين القضايا العابرة والقضايا التي ترتبط بمستقبل الأمة وهويتها ومصيرها.

إذا كان التشييع يمثل لحظة وفاء واستذكار، فما المسؤوليات التي تقع على عاتق النخب الدينية والثقافية والسياسية بعد انتهاء هذه اللحظة للحفاظ على قيم الوحدة والتضامن وتحويل المشاعر الشعبية إلى مشروع بناء وإصلاح للأمة؟

إن الوفاء الحقيقي للقادة الكبار لا يقتصر على المشاركة في مراسم التشييع أو التعبير عن الحزن لفقدهم، بل يتمثل في استيعاب تجربتهم والاستفادة من دروسها وتحويلها إلى منهج عمل مستمر.

ومن هنا تقع على عاتق النخب مسؤولية كبيرة تتمثل في تعزيز الوعي والبصيرة، وترسيخ ثقافة الوحدة والتكافل، والعمل على تحويل المشاعر الصادقة التي أفرزتها هذه المناسبة إلى مشاريع إصلاح وبناء تخدم المجتمع والأمة.

لقد ترك السيد الشهيد إرثاً فكرياً وسياسياً واجتماعياً مهماً، ومن واجب الجميع دراسته والاستفادة منه واستلهام عناصر القوة فيه، بما يسهم في صناعة مستقبل أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات.

أخيراً سماحة السيد، عندما تنظرون إلى مشاهد التفاعل الشعبي في العراق مع هذا الحدث، ما الرسالة التي تعتقدون أن الشعب العراقي يريد إيصالها اليوم إلى الأمة الإسلامية وإلى العالم؟

أرى أن الرسالة الأبرز التي يبعثها الشعب العراقي اليوم هي رسالة وفاء لمن خدم قضايا الأمة ودافع عن عزتها وكرامتها، ورسالة تأكيد على أن الشعوب لا تنسى من يقف إلى جانبها في المواقف المصيرية.

كما أن هذه المشاهد تحمل رسالة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن إرادة الشعوب أقوى من محاولات التهميش والإقصاء، وأن قيم الكرامة والاستقلال والحرية ما زالت حاضرة بقوة في الوجدان الشعبي.

إن العراقيين، من خلال هذا الحضور والتفاعل، يؤكدون تمسكهم بخيار العزة ورفض الخضوع للهيمنة، ويبعثون برسالة واضحة إلى الأمة الإسلامية والعالم مفادها أن الشعوب الحية تبقى وفية لمبادئها وقيمها مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الضغوط.

خاتمة

تكشف مضامين هذا الحوار أن الأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بحجم التفاعل الذي تثيره، بل بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي للشعوب. وبينما تتواصل مشاهد الوفاء والاستذكار، يؤكد السيد مجتبى الحسيني أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المشاعر إلى وعي ومسؤولية ومشروع عمل يحفظ وحدة الأمة ويعزز حضورها الحضاري.

وفي الوقت الذي يواصل فيه العراقيون التعبير عن ارتباطهم برموزهم وقضاياهم المصيرية، تبقى الرسالة الأبرز التي يحملها هذا المشهد، بحسب الحسيني، أن الشعوب الحية لا تتخلى عن قيم العزة والكرامة والاستقلال، وأن المبادئ التي تصنع التاريخ تبقى قادرة على استنهاض الوعي وتوحيد الإرادة مهما اشتدت التحديات.

/انتهى/

رمز الخبر 1971836

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha