وكالة مهر للأنباء- نفيسة عبد اللهي: تُعدّ زيارة السيد عباس عراقجي، وزير خارجية بلادنا، إلى بغداد أولى المهام الدبلوماسية الهامة لطهران في الفترة التي أعقبت مذكرة التفاهم التي أنهت الحرب التي فرضتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران؛ وهي زيارة حملت، إلى جانب كونها لقاءً ثنائياً، رسائل هامة حول مستقبل العلاقات الإيرانية العراقية، وعملية تنفيذ تفاهمات إنهاء الحرب، فضلاً عن تشكيل نظام أمني جديد في منطقة غرب آسيا.
وقد اختار عراقجي بغداد وجهةً أولى في أولى رحلاته بعد اتفاقية إنهاء الحرب. خيارٌ يُظهر، قبل كل شيء، أهمية موقع العراق في السياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ودوره في التطورات الأمنية المستقبلية.
بغداد؛ الوجهة الأولى بعد الحرب
في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره العراقي، فؤاد حسين، صرّح وزير خارجية بلادنا بأن الهدف الأول من هذه الزيارة هو تقدير موقف الحكومة والشعب العراقيين في دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العدوان العسكري الأمريكي والكيان الصهيوني.
خلال الحرب، سعى العراق، في الوقت الذي أدان فيه العدوان العسكري، إلى منع تحوّل أراضيه إلى ساحة صراع، وأكد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي؛ وهو موقف يُعتبر الآن ركيزةً أساسيةً لتطوير التعاون المستقبلي من وجهة نظر طهران.
وكان من بين المحاور الرئيسية الأخرى للزيارة تقديم التهنئة الرسمية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية للحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي.
في اجتماعات منفصلة مع رئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ومستشار الأمن القومي، ومسؤولين عراقيين رفيعي المستوى، أكد عراقجي على توسيع التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والتجارية والثقافية والشعبية.
وكانت الرسالة المشتركة في جميع هذه الاجتماعات هي دعم طهران للاستقرار السياسي في العراق، واستعدادها لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
مضيق هرمز: أهم رسالة أمنية في الزيارة
لعلّ أهم ما جاء في تصريحات وزير خارجية بلادنا كان متعلقًا بقضية مضيق هرمز. فقد أعلن عراقجي رسميًا، وللمرة الأولى، أنه بناءً على تفاهمات نهاية الحرب، تقع مسؤولية إدارة وإعادة فتح الملاحة البحرية في مضيق هرمز بالكامل على عاتق الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا تقع أي مسؤولية في هذا الشأن على عاتق أي دولة أو مؤسسة أخرى.
كما حذّر من أن أي تدخل أجنبي أو إنشاء آليات موازية لن يؤدي إلا إلى زيادة التوترات وتأخير العودة إلى الأوضاع الطبيعية. يعكس هذا الموقف جهود طهران لترسيخ مكانتها في الترتيبات الأمنية البحرية الإقليمية ومنع دخول أي جهات خارجية إلى هذه المنطقة.
من نهاية الحرب إلى الأمن الجماعي للمنطقة
في بغداد، لم يقتصر حديث عراقجي على تنفيذ تفاهمات نهاية الحرب فحسب، بل رسم أيضاً أفقاً جديداً للنظام الأمني في المنطقة. بالإشارة إلى تجربة الحرب الأخيرة، أكد وزير الخارجية على ضرورة إنشاء دول المنطقة آلية مشتركة لضمان أمن الخليج الفارسی دون وجود قوى أجنبية.
في هذا السياق، رحبت طهران باقتراح فؤاد حسين بدء حوار بين إيران والعراق ودول مجلس تعاون الخلیج الفارسی؛ وهو اقتراح من شأنه، في حال تنفيذه، أن يُطلق منحىً جديداً في المعادلات الأمنية للمنطقة.
دبلوماسية مكثفة في بغداد
كما عكس البرنامج المكثف لوزير الخارجية الإيراني في بغداد أهمية هذه الزيارة. إلى جانب لقائه بفؤاد حسين، التقى عراقجي وتحدث مع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، والرئيس نزار الآميدي، ورئيسة مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ومستشار الأمن القومي قاسم العبودي، ورئيس ديوان رئاسة الوزراء ورئيس اللجنة العليا لإقامة الجنائز، بالإضافة إلى محافظ كربلاء. إلى جانب العلاقات الثنائية، ناقشت جميع هذه اللقاءات تنفيذ تفاهمات ما بعد الحرب، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ومستقبل الأمن الإقليمي، وتطوير التعاون الاقتصادي.

تشييع جثمان القائد الشهيد: رمز للتضامن بين البلدين
كان من بين المحاور المهمة الأخرى لزيارة عراقجي تنسيق تشييع جثمان قائد الثورة الإسلامية الشهيد في مدن بغداد والكاظمية وكربلاء والنجف. أعرب وزير الخارجية، أثناء شكره للحكومة العراقية على إنشاء مقر تنسيق خاص لهذه المراسم، عن استعداد ملايين العراقيين لحضورها. من وجهة نظر طهران، لا تُعدّ هذه المراسم مجرد مناسبة دينية، بل رمزًا للعلاقات التاريخية والثقافية والسياسية بين إيران والعراق.
العراق: حلقة الوصل في الدبلوماسية الإقليمية
خلال اجتماعات بغداد، أكد عراقجي مجددًا على ضرورة منع دول المنطقة من استخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضد إيران؛ وهي قضية اكتسبت أهمية خاصة في ظل الظروف الأمنية الجديدة للمنطقة.
في المقابل، أكد المسؤولون العراقيون، أثناء إعلان دعمهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية، على تطوير التعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. يُظهر هذا التقارب أن بغداد لا تزال أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لطهران في معادلات غرب آسيا.
لا يمكن اعتبار زيارة عراقجي إلى بغداد مجرد زيارة ثنائية أو احتفالية، بل هي في الواقع بداية مرحلة جديدة في دبلوماسية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد اتفاق إنهاء الحرب؛ مرحلة تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية: ترسيخ اتفاق إنهاء الحرب، ومنع تكرار الأزمات الأمنية، والتحرك نحو بناء بنية أمنية إقليمية دون تدخل قوى خارجية.
في الوقت نفسه، يُرسل اختيار العراق كأول وجهة خارجية لوزير الخارجية بعد الحرب رسالة واضحة حول مكانة بغداد الاستراتيجية في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ رسالة تُظهر أن طهران تعتبر العراق أحد أهم اللاعبين في معادلات الأمن والاستقرار الإقليميين في المستقبل.
/انتهى/
تعليقك