وكالة "مهر" للأنباء: العراق بعد صدام، تحول من دولة ديكتاتورية إلى جمهورية ديمقراطية، وخلال هذا التحول، واجه، مثل العديد من الدول، مشاكل، خاصة مع مجتمع متعدد الطوائف والأعراق والأديان. من ناحية أخرى، كان لأمريكا وجود عسكري مباشر في هذا البلد، وتتدخل مباشرة في السياسة. وجود الفساد بين السياسيين العراقيين أمر لا يمكن إنكاره، وهو مفهوم في مسار تطور البلاد".
وأضافت الصحيفة: "أمريكا لم تعترض أبداً بشكل جدي على فساد المسؤولين الفاسدين في العراق، لكن واشنطن تفتح ملفات لجميع رجال النفوذ في العراق، بحيث إذا لم تكن موافقة لهم وعارضتهم، يتم الكشف عن ملفاتهم الثقيلة وحذفهم. يجب النظر إلى الأحداث الجارية هذه الأيام في العراق في هذا السياق. من ناحية أخرى، فإن العديد من المعتقلين في العراق هم من أهل السنة، وقد غضب العديد واعتقدوا أن هذا الأمر متعمد. خاصة وأن العديد من الأحزاب الشيعية، بما فيها عمار الحكيم، قد دعمت مكافحة الفساد.
كانت تعليقات رواد مواقع التواصل الإجتماعي العراقيين والعرب في الغالب متعصبة وسطحية وبعيدة عن البيانات والمعلومات. قال البعض: "هذه أموال الشعب العراقي التي تُنفق على إيران!" وفي المقابل، قال بعض المستخدمين الموالين للنظام الملكي (بهلوي) إن الملايين من الدولارات المكتشفة هي أموال الشعب الإيراني كانت لدى المسؤولين العراقيين التابعين! وادعى المستخدمون السعوديون والوهابيون، الذين ينافسون الموالين للنظام الملكي في الحماقة والجهل، أن جميع المعتقلين هم عملاء لإيران.
وفتح آخرون عقدهم النفسية وقالوا إن أخت فلان المداح الذي يتحدث ضد شخصية من صدر الإسلام قد أُعتقلت! وفي هذه الأثناء، تم نشر العديد من الصور ومقاطع الفيديو، كثير منها غير حقيقي، وبعضها مُلفق. فمثلاً، أي شخص عاقل يخزن عشرات الملايين من الدولارات النقدية في غرفة مكدسة فوق بعضها ويضع صورته عليها أيضاً؟ ناهيك عن الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي!
الخلاصة أن هذا التيار يتم بتوجيه أمريكي، وإذا كان هناك أشخاص من داعمي إيران بين المتهمين، فهذا أمر طبيعي وهم جزء صغير من إجمالي المتهمين. يتم استغلال هذا التيار إعلامياً من قبل جميع الأطراف باستثناء إيران! مكافحة الفساد، إذا كانت حقيقية، فهي محل ترحيب كبير وستحسن أوضاع الشعب العراقي. أما إذا كانت بهدف تدمير تيار معين أو لتحقيق أهداف أمريكية، فهي غير مفيدة وستتكرر في المستقبل، بل أكثر من ذي قبل. وإذا كانت لتغطية فساد أكبر، مثل الخدمة بمليارات الدولارات لأمريكا، فهذا يعني أنه مجرد عرض إعلامي!"
ما هو الهدف من زيارة مبعوث ترامب إلى بغداد وأربيل؟
في تطور آخر، اعتبر نائب سابق في البرلمان العراقي أن زيارة تام باراك، مبعوث ترامب الأخيرة إلى بغداد وأربيل، هي محاولة من واشنطن لإعادة تصميم معادلات الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأمريكية.
ونقل موقع "المعلومة" عن فاضل الفتلاوي، النائب السابق، قوله: "إن هذه الزيارة الدبلوماسية تأتي في إطار الجهود الأمريكية المستمرة لإعادة النظر في الترتيبات الإقليمية، وتحمل رسائل مباشرة إلى الحكومة العراقية بشأن قضايا سياسية وأمنية حساسة للغاية".
وأكد الفتلاوي أن "الإجراءات الأمريكية الحالية تتركز على محورين رئيسيين؛ الأول يتعلق باستكمال تشكيلة الحكومة العراقية وفق منظور يتوافق مع المصالح والرغبات الأمريكية، والثاني يتعلق بالضغط على بغداد في ملف احتكار السلاح بيد الحكومة، والسيطرة على الوضع الأمني بما يخدم واشنطن".
وقال الفتلاوي: "من خلال هذه الإجراءات، تسعى أمريكا، خاصة بعد إقصاء خياراتها العسكرية السابقة لتولي منصب رئيس الوزراء، إلى فرض سياسات بديلة لتعويض خسائرها السياسية في المنطقة، وفي المقابل، تواجه صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتفوقها السياسي الواضح".
وأوضح هذا النائب السابق في البرلمان العراقي أن "الإجراء الدبلوماسي الأمريكي الأخير يمثل محاولة لفرض واقع سياسي جديد يضمن الحفاظ على أداة الضغط، والدور المستمر لواشنطن كفاعل مؤثر في الساحتين العراقية والإقليمية".
وكان مصدر سوري قد كشف في وقت سابق أن زيارة باراك إلى العراق تهدف إلى مطالبة الحكومة العراقية بمنع تدخل فصائل المقاومة العراقية في حال شنت جماعات إرهابية هجوماً من سوريا على لبنان.
الزيدي: في 30 سبتمبر سنشهد انسحاب قوات التحالف
في تطور آخر، أعلن رئيس الوزراء العراقي أن 30 سبتمبر سيشهد الانسحاب الكامل لقوات التحالف الأمريكي من العراق.
وقال علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي: "إن تقييد السلاح بيد الحكومة ليس مجرد شعار؛ لقد بدأنا في تنفيذ هذه السياسة وسنواصلها، خاصة وأن 30 سبتمبر سيتزامن مع الانسحاب الكامل لقوات التحالف".
وفي الوقت نفسه، قال حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة العراقية، إنه سيتم منح الجماعات المسلحة مهلة حتى 30 سبتمبر لتسليم أسلحتها للحكومة، وهذا التاريخ يتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.
وكان علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، قد قال يوم السبت في مقابلة مع قناة "سكاي نيوز" إن "المهمة القتالية للتحالف الدولي ضد داعش ستنتهي في سبتمبر القادم، وستغادر قوات هذا التحالف العراق بشكل نهائي".
إن تأكيد الحكومة العراقية على انسحاب قوات التحالف والقوات الأمريكية المحتلة من الأراضي العراقية هو نقطة إيجابية، ولكن يجب الانتباه إلى أن إصرار بغداد على نزع سلاح فصائل محور المقاومة في هذا البلد قد يكون له عواقب وخيمة، ويعرض أمن الحكومة والشعب العراقي للخطر؛ خاصة في ضوء الأحداث في سوريا، حيث تعول الولايات المتحدة كثيراً على إعادة تنفيذ وتصميم المشروع الشيطاني لداعش في العراق.
إعادة هيكلة الأمن والحوكمة في العراق
لا يمكن تفسير التطورات الأخيرة في هيكل الدولة العراقية على أنها مجرد تغييرات إدارية روتينية في أجهزة الحكومة. فالتزامن بين هذه التطورات وأول زيارة خارجية للزيدي إلى أمريكا ليس مجرد تغيير في البروتوكول الدبلوماسي، بل هو مؤشر على دخول بغداد مرحلة جديدة من إدارة الضغوط الخارجية. هذا التحول في أولويات السياسة الخارجية، إلى جانب موجة التغييرات الواسعة على المستويات العليا الأمنية والاستخباراتية والاقتصادية والإدارية، يُعتبر، بدلاً من أن يكون تحولاً استراتيجياً دائماً في السياسة العراقية، إعادة ترتيب تكتيكية وتراجعاً محكوماً لتخفيف الضغوط الأمريكية.
تولت حكومة الزيدي إدارة البلاد في وقت تواجه فيه مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية المعقدة. إن اعتماد النظام المالي العراقي على الهياكل الخاضعة للنفوذ الأمريكي، وضرورة الحفاظ على الوصول إلى النظام المصرفي والمالي الدولي، والحاجة إلى جذب الاستثمارات، واستمرار التهديدات الأمنية، والأزمة الاقتصادية الناجمة عن التطورات الإقليمية، وانخفاض مبيعات النفط، والحفاظ على التوازن بين العناصر الداخلية، كلها عوامل أجبرت الحكومة على إدارة جزء من مطالب أمريكا في شكل إجراءات محدودة وتكتيكية. من هذا المنظور، فإن ما يحدث في بغداد هو، بدلاً من أن يكون تغييراً في جوهر ميزان القوى، محاولة لكسب الوقت ومنع تصاعد الضغوط الخارجية.
في هذا الإطار، يمكن أيضاً تحليل سلسلة التغييرات الأخيرة في هيكل الحوكمة العراقي. فقد تم إقالة قاسم الأعرجي من منصب مستشار الأمن الوطني العراقي، وتعيينه مستشاراً أمنياً لرئيس الوزراء. وفي المجال الاقتصادي، تم إعفاء علي العلاق من رئاسة البنك المركزي، وتكليفه بمهام المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء. بالإضافة إلى ذلك، تشير التكهنات السياسية إلى احتمال تغيير في منصب فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي.
واللافت أن جزءاً مهماً من هذه التغييرات لا يعني الإزالة الكاملة للمديرين السابقين من هيكل السلطة، بل نقلهم إلى مسؤوليات أخرى. وهذا يظهر أن حكومة بغداد تحاول، مع الاستجابة الجزئية للمطالب الأمريكية، منع حدوث شرخ جدي في البنية السياسية والأمنية للعراق.
يمكن أيضاً تقييم زيارة الزيدي إلى واشنطن في هذا الإطار. فخلال ما يقرب من 20 عاماً، كان رؤساء وزراء العراق يخصصون عادة زياراتهم الخارجية الأولى للدول المجاورة، لكن اختيار أمريكا كأول وجهة خارجية لرئيس الوزراء يحمل رسالة سياسية لواشنطن. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذه الخطوة على أنها تغيير جوهري في السياسة الخارجية العراقية أو خروج بغداد من المعادلات الإقليمية؛ بل يمكن اعتبارها محاولة لتخفيف الضغوط، وجذب الدعم المالي، والحفاظ على استقرار سوق الصرف، ومنع فرض قيود إضافية على الاقتصاد العراقي.
في المقابل، تسعى أمريكا، بالتزامن مع هذه التطورات، إلى متابعة مطالبها الأمنية بجدية أكبر. وأهم محور لهذه المطالب هو احتكار السلاح، وحل فصائل المقاومة، ودمج الحشد الشعبي في الهيكل الأمني العراقي. من منظور استراتيجي، خلصت واشنطن إلى أن المواجهة المباشرة مع الفصائل وقوات المقاومة لن تكون مكلفة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً فحسب، بل يمكن أن تؤدي إلى عدم استقرار واسع النطاق وحتى صراعات داخلية. ولهذا السبب، تركز استراتيجية أمريكا بشكل أكبر على الحل، والإضعاف التدريجي، والتحول التنظيمي، والحد من القدرات المؤسسية لفصائل المقاومة والحشد الشعبي.
/انتهى/
تعليقك