وكالة مهر للأنباء: بدأ ترامب الحرب التي استمرت أربعين يومًا على أساس أن التفوق العسكري الأمريكي قادر على دفع إيران إلى التراجع في أقصر وقت ممكن. ولم يكن الهدف مجرد إلحاق أضرار عسكرية بإيران، بل كانت واشنطن تريد توظيف قوتها العسكرية لتحقيق نتيجة سياسية محددة وإجبار طهران على قبول الشروط الأمريكية. لكن إطالة أمد الحرب وعدم الوصول إلى النتيجة السياسية المرجوة وضعا هذه الحسابات أمام تحديات جدية.
ومن أبرز المؤشرات على هذا الوضع ما يمكن رصده في سوق الطاقة. ووفقًا لتقرير لشبكة «سي بي إس»، تراجعت مخزونات النفط الخام في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي بمقدار 6.1 ملايين برميل خلال الأسبوع الماضي، لتصل إلى 298.7 مليون برميل، وهو أدنى مستوى لهذه المخزونات منذ يناير/كانون الثاني 1983.
وقد يبدو هذا الرقم للوهلة الأولى مجرد إحصائية مرتبطة بسوق الطاقة، إلا أن أهميته تتضح عند معرفة أن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي أُنشئ للتعامل مع حالات الطوارئ، أي عندما يتعرض الإمداد العالمي للنفط لاضطراب خطير أو تهدد أزمة أمنية تدفق الطاقة، بما يسمح لواشنطن باستخدام هذه المخزونات لتخفيف ضغوط السوق.
أما وصول المخزونات حاليًا إلى ما دون 300 مليون برميل، فيعني أن جزءًا من هامش الأمان الأمريكي قد استُهلك بالفعل.
احتياطي مخصص للأيام الحرجة
يُعد الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي أحد الأدوات المهمة التي تعتمد عليها واشنطن لمواجهة صدمات الطاقة. وقد تم إنشاء هذه المخزونات بهدف تقليل تعرض الولايات المتحدة للتداعيات الناجمة عن الأزمات المفاجئة في سوق النفط.
وفي الظروف العادية، قد يكون انخفاض المخزونات أمرًا يمكن التعامل معه، لكن عندما يتزامن هذا الانخفاض مع حرب في منطقة حساسة مثل الخليج الفارسي، تزداد أهمية المسألة بصورة كبيرة.
ويُعد الخليج الفارسي من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم، كما يمثل مضيق هرمز أحد أبرز ممرات نقل النفط والغاز. وبالتالي، فإن أي ارتفاع في مستوى عدم اليقين في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
وفي مثل هذه الظروف، يتعين على الولايات المتحدة تحمل تكاليف العمليات العسكرية للحرب، والاستعداد في الوقت نفسه للتعامل مع تداعياتها المحتملة على أسواق الطاقة. ويأتي ذلك في وقت يؤدي فيه انخفاض الاحتياطي الاستراتيجي إلى تقليص جزء من قدرة واشنطن على الاستجابة لأزمات جديدة.
كلفة الحرب تعود إلى الولايات المتحدة
بدأ ترامب الحرب انطلاقًا من اعتقاد بأن الكلفة الأساسية ستقع على عاتق إيران. وكانت حسابات واشنطن تقوم على أن تصعيد الضغوط العسكرية والاقتصادية سيضع طهران أمام خيار تصبح فيه مواصلة المقاومة أكثر كلفة من قبول المطالب الأمريكية. لكن إطالة أمد الحرب جعلت هذه المعادلة أكثر تعقيدًا.
فكل يوم إضافي من الحرب يعني استهلاك المزيد من الذخائر والمعدات والموارد المالية. كما أن العمليات الجوية وانتشار القوات وحماية القواعد وتوفير الدعم اللوجستي، كلها تكاليف تتزايد مع مرور الوقت.
وإلى جانب التكاليف المباشرة، تكتسب التداعيات غير المباشرة أهمية كبيرة. فارتفاع مستوى عدم اليقين في أسواق الطاقة يمكن أن يؤثر في أسعار النفط والوقود. وتمثل هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، حيث ترتبط أسعار الطاقة بصورة مباشرة بتكاليف النقل والإنتاج والحياة اليومية للمواطنين.
وبالتالي، فإن الحرب التي كان يفترض أن تُفرض تكلفتها على إيران، قد تنقل جزءًا من كلفتها إلى الاقتصاد الأمريكي نفسه.
انخفاض المخزونات يعني تراجع هامش الأمان
تكمن الأهمية الأساسية لانخفاض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في أنه يقلل هامش المناورة المتاح أمام الولايات المتحدة في مواجهة الأزمات المستقبلية.
فكل برميل نفط يُسحب من الاحتياطي الاستراتيجي يمكن أن يساعد على إدارة السوق في المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه لن يكون متاحًا في حال اندلاع أزمة محتملة في المستقبل.
وتزداد أهمية ذلك في وقت لم تنته فيه الأزمة الإقليمية بصورة نهائية. فإذا استمر عدم الاستقرار في الخليج الفارسي أو تعرضت الأسواق العالمية لاضطراب جديد، ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام الأزمة بمخزونات أقل مما كانت عليه في السابق.
ولهذا السبب، ينبغي النظر إلى انخفاض الاحتياطي الاستراتيجي باعتباره أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي، فهو يعكس جانبًا من قدرة الولايات المتحدة على الصمود في مواجهة الصدمات المستقبلية.
وفي حال استمرار الأزمة، قد تجد واشنطن نفسها أمام خيارين صعبين: استخدام المزيد من الاحتياطي للسيطرة على أسعار النفط وضمان الإمدادات، أو الحفاظ على جزء من هذه المخزونات لمواجهة أزمات محتملة في المستقبل.
الاقتصاد العالمي يدخل دائرة التأثير
لا تقتصر تداعيات الحرب على الولايات المتحدة، إذ إن سوق الطاقة يمثل شبكة عالمية مترابطة، ويمكن أن يؤدي ارتفاع مستوى عدم اليقين في الخليج الفارسي إلى التأثير في العديد من الدول.
فارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وقد يفاقم الضغوط التضخمية في اقتصادات مختلفة. وتصبح الدول الأوروبية والآسيوية التي تعتمد بدرجة أكبر على استيراد الطاقة أكثر عرضة لمثل هذه الصدمات.
وبالتالي، فإن استمرار الأزمة قد يحول كلفة الحرب من قضية ثنائية بين إيران والولايات المتحدة إلى قضية ذات تداعيات عالمية.
وهنا تبرز إحدى المفارقات الكبرى في مغامرة ترامب؛ إذ دخلت واشنطن الحرب بهدف تغيير سلوك إيران، لكن تداعيات هذه الحرب قد تؤدي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على حلفاء الولايات المتحدة وعلى اقتصادات العالم الأخرى.
معضلة ترامب الأساسية.. هل تتناسب الكلفة مع النتيجة؟
مع مرور الوقت، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل تتناسب النتيجة التي حققتها الولايات المتحدة مع الكلفة التي دفعتها؟
إذا كان هدف الحرب هو إجبار إيران على الاستسلام، فإن مجرد إلحاق أضرار عسكرية بها لا يمكن أن يكون معيارًا كاملًا للنجاح. فالمعيار الأساسي هو ما إذا كانت طهران قد قبلت في نهاية المطاف المطالب الأمريكية أم لا.
فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن واشنطن تواجه معضلة استراتيجية؛ إذ أدت الحرب إلى تكاليف كبيرة، لكنها لم تحقق النتيجة السياسية التي كانت تتطلع إليها.
وفي هذه الحالة، يكتسب انخفاض الاحتياطي النفطي الأمريكي أهمية أكبر، لأنه يشير إلى أن ضغوط الحرب لم تبقَ محصورة في الميدان العسكري، بل امتد جزء منها إلى القدرات الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة، فهي لا تزال واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم. لكن حتى القوى الكبرى لا تمتلك موارد غير محدودة، وكل حرب طويلة تستنزف جزءًا من قدراتها الاقتصادية والاستراتيجية.
مغامرة بدأت كضغط على إيران وانتهت بكلفة على واشنطن
كان ترامب يعتقد أن استخدام القوة العسكرية قادر على تغيير المعادلة الإقليمية بسرعة، إلا أن استمرار الحرب أظهر أن تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي أكثر صعوبة بكثير مما كان متوقعًا في بداية الحرب.
ويُعد انخفاض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي أحد مؤشرات الكلفة التي فرضتها هذه الحرب على واشنطن. ولا يعني الانخفاض بحد ذاته وقوع أزمة اقتصادية، لكنه، إلى جانب التكاليف العسكرية وحالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، يقدم صورة عن تصاعد الضغوط على الولايات المتحدة.
وفي المقابل، إذا استمرت الأزمة، فقد تنتقل كلفتها إلى الاقتصاد العالمي أيضًا، بدءًا من ارتفاع أسعار الطاقة وصولًا إلى الضغوط التضخمية وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل.
وفي نهاية المطاف، تبرز مفارقة واضحة: بدأ ترامب الحرب بهدف فرض الكلفة على إيران، لكن استمرارها بدأ يفرض كلفًا على الولايات المتحدة نفسها وعلى الاقتصاد العالمي.
وانخفاض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من أربعة عقود ليس مجرد رقم في هذا السياق، بل مؤشر على تراجع جزء من هامش الأمان الأمريكي في مواجهة صدمات الطاقة.
وإذا كانت الحرب التي كان يُفترض أن تدفع إيران إلى الاستسلام قد انتهت إلى استهلاك جزء من القدرات الاستراتيجية الأمريكية وزيادة حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، فإن القضية لم تعد تقتصر على نتيجة الحرب بالنسبة إلى إيران؛ بل أصبحت تتعلق أيضًا بثمن القرار الذي اتخذه ترامب لتغيير المعادلة الإقليمية، والذي بدأت بعض كلفته تعود إلى الولايات المتحدة نفسها.

تعليقك