٠٨‏/١١‏/٢٠٢٦، ١١:١٩ ص

محاكمة رجال الدين في 8 نوفمبر اختبار للعدالة في ظل تصعيد قمع الحريات الدينية واستهداف الشيعة

محاكمة رجال الدين في 8 نوفمبر اختبار للعدالة في ظل تصعيد قمع الحريات الدينية واستهداف الشيعة

تواجه الحكومة البحرينية اختباراً حاسماً، وقد تكون فرصة أخيرة، تثبت فيها مدى جديتها والتزامها بالعدالة وضمانات المحاكمة العادلة، وذلك مع اقتراب موعد النطق بالحكم في قضية عشرات رجال الدين الشيعة المعتقلين تعسفيًا والمقرر في 8 نوفمبر 2026.

أفادت وكالة مهر للأنباء أن المحاكمة التي جاءت عقب حملة اعتقالات ومداهمات واسعة استهدفت رجال الدين والخطباء والشخصيات الدينية، تحيط بها ادعاءات خطيرة بشأن التعذيب وانتزاع الاعترافات بالإكراه، وتقييد حق الدفاع، وإدراج خطب رجال الدين ومحاضراتهم وأنشطتهم الدينية ضمن أدلة الاتهام.

وتثير هذه القضية مخاوف جدية من استخدام التشريعات الأمنية والقضاء لتجريم النشاط الديني السلمي، في سياق أوسع من تصاعد التضييق الممنهج على المواطنين الشيعة وحرياتهم الأساسية منذ اندلاع الحرب الإقليمية في مارس 2026.

من الاعتقالات الجماعية إلى المحاكمة

في 9 مايو 2026، شنت السلطات البحرينية، ممثلة بوزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية، حملة أمنية واسعة استهدفت رجال دين وخطباء وشخصيات دينية واجتماعية شيعية في مناطق مختلفة من البلاد. وشملت الحملة مداهمات ليلية للمنازل، نفذتها قوات أمنية، بينها عناصر بلباس مدني، وترافقت مع عمليات تفتيش ومصادرة للهواتف والأجهزة الإلكترونية والكتب والوثائق الشخصية.

جرت العديد من عمليات التوقيف من دون إبراز أوامر قضائية، فيما حرم بعض المعتقلين من التواصل مع عائلاتهم أو مقابلة محامين خلال الساعات والأيام الأولى من احتجازهم. كما تعرض البعض للإهانة والتحقير أثناء الاعتقال والتحقيق.

عقب الحملة، نشرت وزارة الداخلية عبر منصتها في وسائل التواصل الاجتماعي صورًا وأسماءً لمجموعة ممن أعلنت أنه تم القبض عليها وزعمت أنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ووجهت إلى عدد منهم اتهامات تتعلق الإرهاب وبالتعاطف مع الهجمات الإيرانية والتواصل مع جهات خارجية. لكن الاعتقالات توسعت لاحقاً لتشمل عشرات رجال الدين والخطباء وأئمة المساجد والشخصيات الدينية والاجتماعية.

طالت الحملة شخصيات ورجال دين بارزين، من بينهم الشيخ محمد صنقور، والشيخ علي الصددي، والسيد مجيد المشعل، والشيخ محمود العالي، والشيخ رائد الستري، إلى جانب رجال دين وخطباء آخرين. كما طالت إجراءات الترحيل كلاً من العلامة الشيخ إبراهيم الأنصاري، والسيد محمد الهاشمي، والشيخ أحمد أمر الله.

وتشير المعطيات المتعلقة بالحملة إلى اعتقال ما لا يقل عن 37 رجل دين في 9 مايو، قبل اتساع دائرة الاعتقالات. كما شهدت القضية الجماعية محاكمة 69 متهماً، بينهم 56 رهن الاحتجاز، من ضمنهم 46 رجل دين.

بدأت محاكمة رجال الدين في 5 يوليو 2026، وشهدت منذ ذلك الحين جلسات مطولة وتأجيلات متعاقبة. ففي 19 أغسطس، استمرت إحدى الجلسات أكثر من 13 ساعة، قبل تقسيم القضية إلى جلسات متعددة لاستكمال النظر فيها. كما شهدت جلسات أكتوبر استكمال المرافعات بعد جلسة مطولة استمرت أكثر من عشر ساعات، وصولاً إلى تحديد 8 نوفمبر موعداً للنطق بالحكم.

ويأتي الموعد المرتقب بعد أكثر من خمسة أشهر على اعتقال رجال الدين، وسط استمرار احتجازهم ومخاوف بشأن سلامة الإجراءات والأدلة التي تستند إليها الاتهامات. ولا تقتصر خطورة القضية على عدد المتهمين وطبيعة التهم، بل تمتد إلى ما تثيره من تساؤلات حول استقلالية الإجراءات القضائية ومدى احترام حقوق الدفاع وقرينة البراءة.

انتهاكات التحقيق والمحاكمة: التعذيب والإكراه وتقييد الدفاع

تثير مجريات القضية ادعاءات بالغة الخطورة بشأن تعرض عدد من رجال الدين المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة والإكراه النفسي والجسدي منذ لحظة اعتقالهم وخلال التحقيق معهم. وتشمل هذه الادعاءات الضرب والتهديد والإهانة والتقييد وتعصيب العينين لفترات مطولة، فضلاً عن حرمان المعتقلين من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، والتهديد بالمساس بذويهم لحملهم على الإدلاء بإفادات أو توقيع محاضر تحقيق تحت الضغط.

وفي هذا السياق، أفاد الشيخ محمد صنقور بتعرضه للإكراه والترهيب وإجباره على الوقوف معصوب العينين لمدة أسبوع، قبل عرض إفادة مطولة عليه تضمنت صفحات من الأسئلة والأجوبة، رغم محدودية الأسئلة التي وُجهت إليه، بحسب إفادته. كما أثيرت مزاعم بشأن توقيع محاضر تحقيق دون الاطلاع على مضمونها، أو تحريف الإفادات وإعادة صياغتها بما لا يعكس أقوال أصحابها.

وتكشف هذه الوقائع، إلى جانب القيود المفروضة على حق الدفاع، عن خلل يمس جوهر ضمانات المحاكمة العادلة. فقد جرى التحقيق مع بعض المعتقلين دون حضور محاميهم، أو تأخير تمكينهم من الاستعانة بمحامين، فيما أُبلغ بعض المحامين بمواعيد التحقيق قبل انعقاده بمدة غير كافية، وتزامن ذلك مع عدم إتاحة ملفات القضية ومحاضر التحقيق والأدلة بصورة تمكن الدفاع من إعداد رد قانوني فعّال.

ولا تقتصر المخاوف على سلامة إجراءات التحقيق والأدلة، بل تمتد إلى طبيعة الأفعال التي يجري الاستناد إليها في الاتهام، إذ إن إدراج خطب رجال الدين ومحاضراتهم وشعائرهم ضمن أدلة الاتهام، وربط نشاطهم الديني باتهامات الإرهاب والأمن الوطني، يثير مخاوف جدية من تجريم الممارسة الدينية السلمية. وتحذر ADHRB من توظيف التعريفات الفضفاضة الواردة في قانون حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية رقم 58 لسنة 2006 لتقييد حرية الدين والتعبير عن الرأي وملاحقة الأنشطة الدينية المشروعة.

هذه الممارسات، تتعارض مع الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها حظر التعذيب والإكراه، وعدم جواز الاستناد إلى أي إفادة انتُزعت تحت التعذيب دليلاً في المحاكمة، ووجوب التحقيق الفوري والمستقل في جميع ادعاءاته. كما أن حرمان المتهمين من دفاع فعّال، أو بناء الاتهامات على ممارسة حقوقهم الدينية، لا يمس حقوقهم الفردية فحسب، بل يقوض نزاهة الإجراءات القضائية برمتها.

غياب المساءلة الرسمية ومخالفة الالتزامات الدولية

تكشف قضية رجال الدين عن إخفاق مؤسسات الدولة في ضمان المساءلة عن الانتهاكات المبلغ عنها، والتحقق من ادعاءات التعذيب والإكراه وتزوير محاضر التحقيق. فالنيابة العامة مطالبة بالتحقيق في هذه الادعاءات والتحقق من مشروعية الأدلة، فيما تقع على المحكمة مسؤولية ضمان نزاهة المحاكمة واستبعاد الإفادات المنتزعة بالإكراه. وتتحمل وزارة الداخلية مسؤولية سلامة المحتجزين وحمايتهم من التعذيب وسوء المعاملة.

كما تبرز مسؤولية الأمانة العامة للتظلمات والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، كل في نطاق اختصاصه، في تلقي الشكاوى ورصد الانتهاكات والتحقق منها ومتابعتها. ويثير غياب المعلومات عن أي إجراءات اتخذتها المؤسستان بشأن الانتهاكات المبلغ عنها تساؤلات حول مدى فاعلية دورهما الرقابي واستقلاليتهما في مساءلة الجهات المعنية.

وتشكل هذه الانتهاكات، إذا ثبتت، إخلالاً بالتزامات البحرين بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المواد 14 و18 و19 التي تكفل الحق في محاكمة عادلة وحرية الدين والتعبير. كما تلزم اتفاقية مناهضة التعذيب الدولة باتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب، والتحقيق الفوري والمحايد في ادعاءاته، وعدم استخدام الأقوال المنتزعة بواسطته أدلةً في المحاكمة.

ولا يجوز للسلطات البحرينية اتخاذ مكافحة الإرهاب أو حماية الأمن الوطني ذريعة لتجاوز هذه الالتزامات أو تقييد الحقوق والحريات الأساسية. وتؤكد ADHRB أن ضمان المساءلة عن الانتهاكات، والتحقيق فيها بصورة مستقلة، وإنصاف المتضررين، التزامات قانونية لا يجوز التنصل منها.

محاكمة رجال الدين في سياق حملة أوسع لاستهداف المكوّن الشيعي وتقييد الحريات

لا يمكن النظر إلى محاكمة رجال الدين المعتقلين بمعزل عن حملة القمع الأوسع التي تشهدها البحرين منذ اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، والتي اتخذت من التصعيد الإقليمي سياقاً لتوسيع القيود على الحريات وملاحقة المواطنين، ولا سيما المكوّن الشيعي.

فمنذ ذلك الحين، صعّدت السلطات حملاتها الأمنية، منفذةً اعتقالات جماعية طالت رجال الدين والخطباء والناشطين والمواطنين، إلى جانب إسقاط الجنسية عن عشرات البحرينيين، بمن فيهم أطفال، وفرض قيود على ممارسة الشعائر وإدارة المؤسسات الدينية والخيرية. وترافقت هذه الإجراءات مع اتهامات بالولاء للخارج والارتباط بجهات إيرانية، بما يعكس توظيفاً متزايداً للخطاب الأمني في ملاحقة أنشطة وممارسات مدنية ودينية.

وتكشف حصيلة الحملة عن اتساع نطاقها، إذ تجاوز عدد المعتقلين 700 شخص، بينهم أطفال، فيما صدرت أحكام بالسجن لمدد طويلة بحق العشرات، من بينها أحكام بالسجن المؤبد، وسط انتهاكات مثارة لضمانات المحاكمة العادلة. وفي أبريل 2026، أسقطت السلطات الجنسية عن 69 بحرينياً، بينهم 33 طفلاً، كان أصغرهم رضيعاً لم يتجاوز عمره 19 يوماً، في إجراء يمس الحق في الجنسية ويثير مخاوف بشأن الحرمان التعسفي منها.

وامتد الاستهداف إلى المجال الديني، من خلال التضييق على الشعائر وملاحقة رجال الدين والعاملين في الشأن الديني، واتخاذ إجراءات طالت الأوقاف والمؤسسات الدينية والخيرية. وفي هذا السياق، لا تبدو محاكمة رجال الدين واقعة منفصلة، بل تأتي ضمن نمط أوسع من استهداف المكوّن الشيعي وتقييد حرياته الدينية والمدنية، تحت ذرائع أمنية مرتبطة بالتوترات الإقليمية.

مطالبة بالإفراج عن رجال الدين والتحقيق المستقل في الانتهاكات

تدين منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB) حملة الاعتقالات التي طالت رجال الدين الشيعة، وما رافقها من ادعاءات خطيرة بشأن التعذيب والإكراه وتقييد حق الدفاع، واستخدام الممارسات الدينية ضمن أدلة الاتهام.

وترى المنظمة أن المحاكمة المرتقبة تمثل اختبارًا حاسمًا لمدى جدية ادعاءات السلطات البحرينية أمام شعبها والرأي العام الدولي والحقوقي في احترامها للعدالة والحقوق الأساسية و التزامها بالمواثيق و القوانين الدولية، وتحذر من أن إصدار أحكام بالإدانة في ظل استمرار الشكوك بشأن سلامة الأدلة والإجراءات من شأنه أن يفاقم الأزمة الحقوقية ويعمق التمييز والاستهداف الطائفي.

وعليه، تطالب ADHRB السلطات البحرينية بما يلي:

الإفراج الفوري وغير المشروط عن رجال الدين المعتقلين وكل من احتجز بسبب ممارسة حقوقه الدينية أو التعبير السلمي عن رأيه.

استبعاد جميع الاعترافات والإفادات المنتزعة تحت التعذيب أو الإكراه، والتحقيق في ظروف الحصول عليها.

فتح تحقيق مستقل ومحايد في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة وتزوير محاضر التحقيق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبت.

ضمان حق جميع المعتقلين في الوصول الفوري وغير المقيد إلى محامين يختارونهم بأنفسهم، وتمكينهم من التواصل المنتظم والسري مع محاميهم وعائلاتهم.

ضمان حق الدفاع في الاطلاع الكامل على ملفات القضية والأدلة ومحاضر التحقيق، ومناقشة الشهود، وتوفير جميع الضمانات اللازمة لمحاكمة عادلة وشفافة.

وقف استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والتشريعات الأمنية لتجريم الممارسات الدينية والخطاب الفكري والسياسي السلمي.

إنهاء الإجراءات التي تستهدف الأوقاف والمؤسسات الدينية والعاملين في الشأن الديني، وضمان حرية ممارسة الشعائر وإدارة الشؤون الدينية دون تدخل تعسفي.

دعوة آليات الأمم المتحدة المعنية بحرية الدين والمعتقد، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، واستقلال القضاء، إلى متابعة القضية والتحرك العاجل لضمان احترام حقوق المعتقلين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وصولا إلى معاقبتهم.

إن قضية رجال الدين المعتقلين تمثل اختباراً حقيقياً لمدى احترام البحرين لالتزاماتها الحقوقية والدولية، ولضمانات العدالة وسيادة القانون. ولا يجوز اتخاذ الحرب والتوترات الإقليمية ذريعة لاستهداف المواطنين الشيعة أو الانتقام منهم جماعياً، أو وصمهم بالولاء للخارج بسبب هويتهم الدينية ومعتقداتهم. وتظل المساءلة عن الانتهاكات، وإنصاف المتضررين، ووضع حد لاستهداف المجتمع الشيعي، شروطاً أساسية لصون الحقوق والحريات واستعادة الثقة في العدالة في البحرين.

رمز الخبر 1975355

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha