إيران زادت من قدراتها النووية بشكل كبير/ لا نقبل بأي شروط جديدة للعودة للاتفاق النووي

أكد وزير الخارجية ظريف، أن "إيران زادت من قدراتها النووية بشكل كبير منذ أيار/مايو 2019، بما يتفق تمامًا مع ​الاتفاق النووي"، محذرا من أنه "ستتعرض العودة إلى طاولة المفاوضات للخطر إذا طالبت واشنطن أو حلفاؤها في الاتحاد الأوروبي بشروط جديدة للاتفاق".

وأفادت وكالة مهر للأنباء، أنه كتب ظريف في مقال نشر في صحيفة "فارن افرز": ان دونالد ترامب وعد في العام 2016 كمرشح للانتخابات الرئاسية الاميركية بانه سينهي الحرب في غرب اسيا، لكنه في فترته الرئاسية اوقع الولايات المتحدة في الفخ في هذه المنطقة اكثر مما مضى، وأجج الخلافات بحيث وصلت الحالة الى امكانية ان تخرج حادثة بسيطة عن السيطرة سريعا وتتحول الى حرب كبيرة.

واضاف: ان الادارة الجديدة في واشنطن امام خيار اساسي؛ إما السير على نهج سياسات ادارة ترامب الفاشلة ومواصلة مسار انتهاك التعاون الدولي والقوانين الدولية (وكان ذلك واضحا جدا في قرار الولايات المتحدة عام 2018 في الخروج احادي الجانب من برنامج العمل المشترك الشامل او ما يعرف بالاتفاق النووي الموقع عليه قبل ذلك بـ 3 اعوام من قبل ايران وروسيا والصين واميركا وبريطانيا والمانيا وفرنسا)، او انه يمكنها التخلي عن التوجهات الفاشلة الماضية ومتابعة الارتقاء بالسلام والمودة في المنطقة.

وتابع ظريف: ان الرئيس الاميركي جو بايدن يمكنه اتخاذ الخطى في مسار افضل من خلال الانهاء المؤثر لسياسة "الضغوط القصوى" الفاشلة المفروضة من قبل ترامب والعودة للاتفاق الذي خرج منه سلفه، وفي هذه الحالة ستعود ايران الى تنفيذ كامل التزاماتها الواردة في الاتفاق النووي ولكن الفرصة ستفوت لو اصرت واشنطن على الابتزاز بدلا عن ذلك.

وتابع وزير الخارجية الايراني: ان بعض السياسيين والمحللين مازالوا يتحدثون عن "احتواء" ايران، ولكن من الافضل لهم ان يتذكروا بان ايران كلاعب قوي في المنطقة لها هواجس امنية وقانونية ومصالح مشروعة في المنطقة بالضبط مثلما لاي دولة اخرى. ينبغي عليهم ان تتوفر لديهم ارادة القبول بهذه الهواجس بدلا عن الوهم القديم بان ايران لا ينبغي ان تحظى بحقوق مماثلة كالدول الاخرى المستقلة. لقد اعلنا صراحة على الدوام باننا نردّ بحسن النوايا على اي مبادرة تطرح للحوار الاقليمي.

*بحثا عن انموذج جديد

واضاف: ان التواجد العسكري للولايات المتحدة في منطقتنا خلال العقدين الماضيين، ألحق اضراراً لا توصف، دون ان تحقق شيئا يذكر. وفقا لما اوردته مؤسسة "واتسون" للشؤون العامة والدولية فقد ادت الحروب التي اعقبت هجمات 11 سبتمبر الى مصرع ما لا يقل عن 800 الف شخص بصورة مباشرة، واكثر من ذلك بكثير بصورة غير مباشرة. منذ العام 2001 لغاية الان اضطر نحو 37 مليون شخص الى مغادرة ديارهم في المنطقة.

وقال ظريف: انه وبسبب اعتداءات وصادرات الاسلحة من قبل الولايات المتحدة تحول الجوار الايراني الى المنطقة الاكثر عسكرية في العالم. السعودية بنفوسها البالغة اقل من 27 مليون شخص تعد المستورد الاكبر للاسلحة في العالم، وان غالبيتها تستوردها من الولايات المتحدة. الامارات العربية المتحدة تعد احدى الدول الاخرى الرائدة في شراء الاسلحة الاميركية، فرغم ان نفوسها يبلغ اقل من 1.5 مليون شخص، فانها تحتل المرتبة 8 بين مستوردي الاسلحة في العالم. هذه الدول بشرائها لهذه الاسلحة امطرت اليمنيين بالموت والدمار، فيما البيت الابيض اطلق الضوء الاخضر لهذا الامر في عهد اوباما، ومن ثم اصدر صكاً على بياض في عهد ترامب.

وتابع وزير الخارجية الايراني: ان واشنطن جاءت في عهد رئاسة ترامب برغبتها في المواجهة المباشرة الى ابواب ايران. فالولايات المتحدة باغتيالها الشهيد قاسم سليماني في يناير العام الماضي اججت اكثر فاكثر الظروف المتازمة في هذه المنطقة التي كانت قد ضاقت ذرعا بسبب اعمال العنف الارهابية. عملية الاغتيال هذه قضت على قائد بارز في مكافحة ما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) وسائر التنظيمات الارهابية في العراق وسوريا لتضيف جريمة لا تغتفر الى القائمة الطويلة لاعتداءات الولايات المتحدة ضد ايران.

واعتبر ظريف أن أميركا لا تستطيع بسهولة التراجع عن الضرر الذي تسببت فيه أفعالها، لكن يمكن لإدارة جديدة أن تعالج خطأ فادحًا واحدًا لسابقتها، وهو انسحاب ترامب 2018 من الاتفاق النووي، والذي نسف إنجازاً دبلوماسياً كبيراً متعدد الأطراف، ثم بدأ حربا اقتصادية ضروسا تستهدف الشعب الإيراني، مما أدى في الواقع إلى معاقبة إيران لالتزامها باتفاقية أقرتها الأمم المتحدة.

ولفت إلى أن العقوبات جعلت من المستحيل تقريبًا على إيران استيراد حتى العناصر المطلوبة للتصدي لوباء كورونا، مشدداً في الوقت نفسه على أن هذه المصاعب لم تجبرنا على الاستسلام، ولم ينهار اقتصادنا أو تتغير حساباتنا الاستراتيجية.

واعتبر ان الضغوط على إيران أدت مرارًا وتكرارًا - وستؤدي دائمًا - إلى العكس تماما من النتيجة التي كانوا يرجونها منها. فعلى سبيل المثال؛ طلبت الولايات المتحدة وحلفاؤها من ايران في العام 2005 التخلي عن حق تخصيب اليورانيوم وفرضوا عن طريق مجلس الامن الدولي الحظر ضد ايران بصورة غير منصفة. ورغم تلك الضغوط الاقتصادية رفعت ايران خلال الفترة من 2005 الى 2012 عدد اجهزة الطرد المركزي لديها من 200 الى 20 الفا وانتجت اكثر من 17 الف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67 بالمائة واكثر من 440 رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمائة. وعلى هذا المنوال ادت الضغوط القصوى من قبل ادارة ترامب الى تطوير مصادر اليورانيوم المخصب بنسبة منخفضة من 660 رطل الى 8800 رطل، والارتقاء باجهزة الطرد المركزي من النموذج القديم IR1 الى النموذج الاحدث بكثير IR6 .

ورأى وزير الخارجية الايراني أن خروج واشنطن من الاتفاق النووي أثبت شيئًا واحدًا وهو أن توقيع وزير خارجية إيران له وزن أكبر من توقيع رئيس الولايات المتحدة واسع الصلاحيات. حتى اوباما ايضا لم يستطع الحيلولة دون المصادقة على قرار تمديد قانون الاعوام العشر من الحظر ضد ايران في الكونغرس الاميركي، وهو ما يعد خرقا واضحا لذلك الاتفاق الذي تفاوضت ادارته حوله. كما ان تجاهل ترامب لالتزامات الولايات المتحدة - ليس فقط الاتفاق النووي ولكن ايضا قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي صادق على الاتفاق – عزز الانطباع بأن الولايات المتحدة شريك غير موثوق به.

واضاف: انه بناء على ذلك فان إيران زادت من امكانياتها النووية بشكل ملحوظ منذ أيار/مايو 2019، لكنها فعلت ذلك بما يتفق تمامًا مع الفقرة 36 ​​من الاتفاق النووي، والتي تسمح لإيران بالتوقف عن تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق إذا توقف الطرف الآخر الموقع على الاتفاق عن أداء التزاماته الخاصة. ان كانت الادارة الاميركية الجديدة تأمل بتغيير اتجاه الحركة الراهنة فعليها تغيير المسار فورا.

*ماذا ينبغي العمل الان؟

ظريف قال: لا يزال بإمكان إدارة بايدن الجديدة إنقاذ الاتفاق النووي، ولكن فقط إذا استطاعت تفعيل الإرادة السياسية الحقيقية في واشنطن لإثبات أن الولايات المتحدة مستعدة لأن تكون شريكًا حقيقيًا في الجهود الجماعية. يجب أن تبدأ ادارة بايدن بلا شروط وبصورة مؤثرة تماما بإزالة جميع العقوبات المفروضة، أو التي اعيد فرضها، أو التي عادت تحت مسميات جديدة منذ تولي ترامب منصبه. بدورها، ستلغي إيران جميع الإجراءات التي اتخذتها في أعقاب انسحاب ترامب من الاتفاق النووي. حينها سيقرر الموقعون الباقون على الاتفاق النووي، ما إذا كان ينبغي السماح للولايات المتحدة باستعادة المقعد على الطاولة الذي تخلت عنه في عام 2018. فالاتفاقيات الدولية ليست ابواباً دوارة ليكون من حق أي كان العودة الالية الى اتفاق تم التفاوض بشأنه، ويستفيد من مزاياه بعد ان كان قد خرج منه وفقا لاهوائه.

وحذّر وزير الخارجية الإيراني من أن هذه العودة إلى طاولة المفاوضات ستتعرض للخطر إذا طالبت واشنطن أو حلفاؤها في الاتحاد الأوروبي بشروط جديدة لاتفاق تم التوصل اليه بعناية خلال سنوات من المفاوضات، واضاف: لنكن صريحين في هذا المجال؛ ان جميع اطراف الاتفاق النووي (ومنها الولايات المتحدة) اتفقت لاسباب عملية تماما ان يكون نطاق الاتفاق النووي محددا بالقضايا النووية. لقد تفاوضنا بدقة حول الجداول الزمنية للقيود المفروضة في الاتفاق وبناء على هذه الجداول الزمنية وافقت ايران على التخلي عن الكثير من المصالح الاقتصادية الناجمة عن الاتفاق. سياسات ايران الدفاعية والاقليمية لم تكن قضية للنقاش، ذلك لان الغرب لم يكن مستعداً لانهاء تدخلاته في منطقتنا، والتي ادت الى مثل هذه الفوضى منذ عدة عقود، وان الولايات المتحدة -وكذلك فرنسا وبريطانيا- لم تكن مستعدة لتقييد عملية البيع المربحة جداً لاسلحتها التي ألهبت نيران النزاع في منطقتنا، وأهدرت ثرواتها.

وتابع ظريف: ان ايران بصفتها جزءا من الاتفاق النووي وافقت على قيود الاعوام الخمسة والاعوام الثمانية على التوالي حول مشترياتها الدفاعية والصاروخية. معاملتنا – وفي الواقع تضحياتنا- لتحقيق الاتفاق لا يمكن ازالتها، لا الان، ولا في أي وقت كان. لا امكانية لأي مفاوضات جديدة. الولايات المتحدة لا يمكنها الاصرار بأن "ما هو لي؛ هو ملك لي، وان ما هو لك؛ قابل للتفاوض"، وان تفرض مطلبها على ايران.

وقال: انه بمنأى عن الاتفاق النووي، فان ايران اعلنت استعدادها الدائم للحوار حول القضايا التي أقلقت منطقتنا، الا ان شعوب المنطقة وليس الاجانب هي التي يجب ان تقوم بحل وتسوية هذه القضايا. لا الولايات المتحدة ولا حلفاؤها الاوروبيون يحظون بحق خاص لقيادة او دعم المفاوضات القادمة. بل ان الخليج الفارسي بحاجة الى آلية اقليمية للتشجيع الدبلوماسي والتعاون وخفض خطورة سوء الحسابات والنزاع.

واضاف وزير الخارجية الايراني: ان ايران ومنذ أمد طويل تدعم تأسيس منتدى للحوار الاقليمي، منذ القرار 598 الصادر عن مجلس الامن الدولي في العام 1987 لغاية مبادرة "هرمز" للسلام المعروفة بـ "الامل" HOPE التي قدمتها الجمهورية الاسلامية الايرانية للجمعية العامة لمنظمة الامم المتحدة عام 2019 . في مثل هذا المنتدى يكون بامكان الدول عبر تدابير بناءة للثقة حل القضايا المشتركة وصون المصالح الجماعية. مبادرة "هرمز" للسلام ليست مسودة المستقبل، فكل آلية دائمية يجب ان تتبلور بصورة جماعية من قبل جميع القوى الاقليمية. الا ان هذا المشروع المقترح، يبين طلب ايران لبلورة مجتمع قوي ومستقر وهادئ ومزدهر من الدول، وخال من فرض الهيمنة الاقليمية والعالمية.

وقال: ان اطار مبادرة "هرمز" للسلام مبني على المبادئ المقبولة عالمياً، ومنها احترام السيادة ووحدة الاراضي. الدول المشاركة تتعهد باحترام الرموز التاريجية والدينية والوطنية احداها للاخرى وان تتجنب التدخل في شؤون احداها الاخرى. ووفقا لهذه المبادرة التي اطلقنا عليها اسم "مجتمع هرمز" تلتزم الدول بحل وتسوية نزاعاتها بصورة سلمية، وتتجنب المشاركة في تحالفات او معاهدات ضد احداها الاخرى. في اكتوبر عام 2019 وجّه رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية حسن روحاني رسائل الى جميع دول "مجتمع هرمز" أي البحرين والكويت والعراق وقطر وعمان والسعودية والامارات يدعوها رسميا للانضمام الى هذه المبادرة. هذه الدعوات مازالت موجودة على الطاولة.

واعتبر ظريف ان نجاح مبادرة "هرمز" للسلام او اي مبادرة اخرى رهناً بأن تقبل حكومات المنطقة -والقوى الاجنبية- حقائق معينة. اولها ان مستقبل المنطقة يمكن ويجب تقريره من قبل شعوب المنطقة ذاتها، وان اي توجه اخر غير ذلك محكوم بالفشل. بناء عليه يجب على الغرب الكف عن سياسة الترؤس او الدعم الاعمى للسلوك السيئ للحكومات المواكبة له باسم مواجهة التهديد الايراني الموهوم. يتوجب على جميع الدول المطلة على الخليج الفارسي، بلا استثناء، في اي مبادرة اقليمية، قبول واحترام الحقوق الوطنية المشروعة والمصالح والهواجس الامنية للجميع.

واكد بانه لو اراد الاوربيون خاصة الاميركيين تجنب الاخطاء التي ارتكبوها في السابق دوما، فانه عليهم تصحيح ادراكهم لايران والمنطق، واضاف: ينبغي عليهم معرفة واحترام حساسيات شعوب المنطقة خاصة كرامتها واستقلالها ومنجزاتها الوطنية.

وقال: نحن في المنطقة قادرون على حل مشاكلنا شريطة ألا يقوم الأجانب بالتخريب لأجل تحقيق مصالح قصيرة الأمد أو للمساعدة في تحقيق أهداف زبائنهم غير الملتزمين بالاخلاق. خلال السنوات الأربع الماضية بلغنا للاسف حافة الكارثة عدة مرات، وقد أبدت إيران ضبطاً استراتيجياً للنفس خلال هذه الفترة، لكن صبر الإيرانيين بدأ ينفد والقانون الذي أقره مجلس الشورى الاسلامي يؤكد أنه على إيران أن تزيد من تخصيب اليورانيوم، وتقييد عمليات التفتيش الدولية في حال عدم رفع العقوبات حتى شباط/فبراير .

وأكد ظريف أن نافذة الفرصة لن تكون مفتوحة إلى الأبد امام الإدارة الأميركية الجديدة، والمبادرة هي من مسؤولية واشنطن وحدها، كما يجب أن تكون الخطوة الأولى لإدارة بايدن هي العمل للتعويض عن - وليس العمل لاستغلال - الإرث الخطير للضغوط القصوى الفاشلة المفروضة من قبل ترامب، واضاف: ان ادارة بايدن يمكنها البدء بالغاء جميع اجراءات الحظر المفروضة منذ وصول ترامب الى السلطة، والعمل للدخول ثانية للاتفاق النووي الموقع عام 2015 ، والالتزام به من دون تغيير نصوصه التي جاءت ثمرة مفاوضات مضنية.

وفي الختام، اكد وزير الخارجية الايراني ان مثل هذه الخطوة تفتح فرصاً جديدة للسلام والاستقرار في منطقتنا./انتهى/

رمز الخبر 1911234

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 8 + 3 =