أخطأ الأوروبيون عندما وقعوا في تبعية ايديولوجية إضافية للولايات المتحدة/نتّجه نحو عالم متعدد الأقطاب

قال الخبير بالشؤون الاوروبية، أكثم سيلمان، ان الشركات والانشطة الاستثمارية لا تصنع وطناً لوحدها، لذلك أخطأ الأوروبيون عندما وقعوا في تبعية ايديولوجية إضافية للولايات المتحدة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة تحديداً رغم غياب التهديد.

وكالة مهر للأنباء - القسم الدولي: الحرب الروسية الاوكرانية بدأت بتغيير المشهد الاقليمي والدولي؛ فعلى الصعيد الاقتصادي هناك ازمات اقتصادية جديدة متفاقمة في عدد كبير من الدول، عموما كل الدول تأثرت بهذه الازمة نتيجة ارتفاع اسعار النفط والمواد الغذائية الاساسية كالقمح والذرة وغيرها. وبالتالي الازمة عامة وشاملة،

واما اذا ذهبنا الى اوروبا تكلفة المعيشة تضاعفت ثلاثة اضعاف في الشهر الذي وقعت فيه الحرب، وبالتالي هناك تضخم تراكمي ومتسارع وقد يؤدي الى ازمات خانقة في الاشهر القليلة المقبلة اذا استمرت الحرب والحصار، وفي حال انقطاع الغاز عن اوروبا، فستكون اوروبا مرشحة لتضاعف في ازمتها.

ومن جانب آخر أكد خبراء ومحللون أن الموقف الأوروبي الأمريكي في بداية الحرب الروسية الاوكرانية كان داعما لأوكرانيا ومساندا لها، إلا أنه وبعد بدء الحرب أكدت كل من واشنطن وحلف الناتو على عدم نيتهما التدخل في الصراع الدائر، وهي خطوة لاقت خذلان كبير في الجانب الأوكراني، حيث اعتبره زيلينسكي تخلي أوروبي أمريكي عن كييف.

وفي هذا الصدد اجرت مراسلة وكالة مهر للأنباء، "وردة سعد" حواراً صحفياً مع الإعلامي والكاتب والخبير بالشؤون الأوروبية الأستاذ "أكثم سليمان"، واتى نص الحوار على الشكل التالي:

** خمسة اشهر مرت حتى الان على الحرب في اوكرانيا... هل اسفرت هذه المعارك القاسية عن نتائج حاسمة يمكن من خلالها الحديث عن منتصر ومهزوم؟ وهل هناك مؤشرات على الاتجاه الذي تسير نحوه هذه الازمة؟

أكيد، لكن بشرط تحديد معنى الانتصار ومعنى الهزيمة، لأنه كانت هناك محاولات غربية محترفة ونشطة ومنسقة لتمييع كل المفاهيم، كما فعلوا مع قضايانا وشعوبنا... بهذا المعنى أعتقد أن الرئيس فلاديمير بوتين لم يجانبه الصواب عندما تحدث في إحدى خطبه مؤخراً عن أن روسيا انتصرت بمجرد بدئها العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا...

اذا كانت المعركة باتجاه عالم متعدد الأقطاب فقد اقترب هذا العالم كثيراً على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية وحتى الفكرية والاجتماعية.

** ما هي التسمية الصحيحة لهذه الحرب: هل هي حرب روسية لاحتلال اوكرانيا؟ ام حرب تستهدف اوروبا؟ ام انها كما يقول الروس حرب امريكية لاضعاف روسيا وتفكيكها؟

لا هذه ولا تلك: الحرب هي ما لا نرى، هل كانت الحرب في سورية بين مؤيدي الحكومة وخصومها مثلاً؟؛ أمن أجل هؤلاء وأولئك جاءت بوارج القوى دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى شرق المتوسط؟ كذلك الحال في أوكرانيا، سنجد تعريفات موضعية مختلفة حسب الأطراف ومصالحها...

لكن التعريف والتسمية الحقيقيين هما "معركة إنهاء القرن الأمريكي" الذي حلم به المحافظون الجدد في واشنطن علانية وحلم به كثيرون في الغرب سرّاً بعد انتهاء الحرب الباردة، وجاء الروس ومعهم الصينيون ليعلنوا إنهاء هذه القرن وإصلاح أخطاء التاريخ كما يردد بوتين كثيراً في الشهور الماضية... معركة إنهاء القرن الأمريكي طويلة وهجينة ومركبة وتتخذ عناوين وأشكال وأماكن مختلفة عنوانا لها: "من حلب إلى الدونباس الى تايوان".

** قبل هذه الحرب تبنّت اوروبا سياسة تكامل اقتصادي مع روسيا، حيث قامت الاف الشركات الاوروبية والروسية بتبادل الانشطة الاستثمارية في الجانبين، ناهيك من خط انابيب نورد ستريم تو الذي اصرت عليه المانيا لتعزيز الروابط الاقتصادية... فلماذا انخرطت اوروبا بهذه الحماسة في حرب امريكا على روسيا في اوكرانيا؟

لأن الشركات والانشطة الاستثمارية ومشاريع مارشال لا تصنع وطناً لوحدها... أخطأ الأوروبيون عندما وقعوا في تبعية ايديولوجية إضافية للولايات المتحدة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة تحديداً رغم غياب التهديد: "العولمة، الليبيرالية الجديدة، البعد عن الهويات القومية والدينية وغيرها باتجاه هويات مهلهلة كالانتماء للاتحاد الأوروبي".

أمريكا تحتاج لمثل هذه التوجهات وتكسب منها كأمة مستحدثة، لكن أوروبا العريقة تضعف وتخسر... فإذا أضفنا إلى كل هذا إهمال الجيش لصالح الاقتصاد في العقود الثلاثة الماضية فسنرى أن الأمن الأوروبي بات شركة مساهمة أمريكية بنسبة كبيرة كي لا أقول 99%...

وعندما تندلع المعارك وإن بشكل غير مباشر بين المعلم الأمريكي وخصومه الدوليين كروسيا والصين فإن الأوروبي يجد نفسه مضطراً لمراعاة معايير المعلم على حساب مصالح أوروبا الحقيقية... هكذا تصرف الأوروبيون في حروب أفغانستان والعراق وليبيا وسورية... ولم يكن تصرفهم مختلفاً في حالة الحرب الأوكرانية التي لا يكف الإعلام الغربي عن وصفها بمعركة الحرية والديمقراطية في كل أوروبا!!؟؟!.

** اوروبا بدأت ترتجف بردا قبل حلول الخريف والشتاء المقبلين... اضافة الى ازماتها الراهنة على صعيد الغلاء والبطالة والتضخم... هل ستكون اوروبا اكبر ضحايا هذه الحرب برأيكم؟ وهل هناك فرصة لتعويض الغاز الروسي لمنازلها ومصانعها؟

المستوى الاقتصادي لعملية إسقاط الدولار واليورو كعملات عالمية وحيدة (وهذه إحدى التوصيفات المحقة لما يجري) هو مستوى شديد التعقيد، لكن إذا بقينا مع دقة السؤال حول ناحية المستوى المعيشي للمواطن الأوروبي فإنه يمكن تحديد التالي حتى اللحظة:

- قامت أوروبا بمعاقبة نفسها ولم يعاقبها أحد... وذلك من خلال فرض عقوبات مختلفة على روسيا.
- ادعت أنها بهذا تُفرغ "خزينة الحرب الروسية" ولم تفرغ إلا خزانات غازها.
- تحول المواطن الأوروبي حالياً إلى أكبر ممول شخصي للحرب بدون رغبة منه، هذا عدا عن الأجيال القادمة التي تثقلها ديون اليوم.

اذاً الشتاء سيكون بارداً لا لانعدام وسائل التدفئة بل لارتفاع أسعارها الجنوني، وسيرتجف المواطن الأوروبي لا برداً فحسب، بل خوفاً من مصير كارثي يقوده إليه أنصاف موظفين بلقب ساسة... الاضطرابات الاجتماعية والهزات السياسية ستكون النتيجة وقد بدأت مقدماتها في بعض البلدان الأوروبية.

** وهنا لا بد من تفحص اثار ونتائج هذه المواجهة التاريخية في اوروبا على منطقتنا وقضايانا العربية والاسلامية... فهل سيكون العرب ضحايا الازمات الدولية كما كانوا في القرون الماضية؟ ام ان قوى المقاومة يمكن ان تحول هذا الصراع الى حلقة متقدمة في مسيرة النهضة العربية والاسلامية؟

اولا؛ الحرب الحالية ستكون فرصة لانهاء الهيمنة الاميركية على اوروبا والعالم، وقيام عالم جديد... العرب والمسلمون ليسوا كتلة واحدة للأسف، بل هم موزعون بين التيارات المختلفة التي تتقاذف عالمنا؛ لكن هناك برأيي نتائج إيجابية على الجميع لمجرد أن العالم يتحول إلى عالم متعدد الأقطاب...

فالدول العربية والإسلامية التي أمعنت في تبعيتها للجانب الأمريكي في العقود الماضية صار لديها بدائل ولو جزئياً للتحرر من هذا الإرث، وهو ما تلاحظونه في حالة دول الخليج اليوم... أمّا الدول العربية والإسلامية التي واجهت المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة ودفعت أثماناً باهظة كسورية وإيران فستحصد ثمار الوضع الجديد عاجلاً أم آجلاً وعلى مختلف المستويات؛ هذا على صعيد السياسة والاقتصاد...

أما إذا انتقلنا إلى فكرة النهضة الشاملة فهذه تحتاج إلى عوامل ذاتية وموضوعية تتجاوز صورة العالم من حولنا أحادي القطب كان أم ثنائيا أم متعدد الأقطاب؛ لكن الأكيد أن عالم القطب الواحد في العقود الثلاث الماضية كان الأسوأ بالنسبة لمنطقتنا وإنساننا وقضايانا وللعالم بأسره إن استثنينا الأطلسيين.

** هل يمكن النظر إلى زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لليونان وفرنسا في إطار التحرر النسبي من القيود الأمريكية؟

ليس سرّاً أن المملكة العربية السعودية في الفترة الماضية استطاعت تحقيق "مهادنات" إن لم تكن اختراقات في علاقاتها الخارجية بالمجمل؛ اقليمياً تابعت الحوار العلني والسري مع إيران مع بقاء الخلافات وخاصة بشأن اليمن ولبنان، وانفتحت على محاولات التقارب التركي مع بقاء المنافسات والاختلافات وخاصة عقائديا...

كما تقاربت دولياً مع روسيا الاتحادية وخاصة في مجال سياسات الطاقة... وعلى خلفية هذه التغييرات، وعلى خلفية الأزمة الأوكرانية طبعاً، جاء قبل فترة الرئيس الأميركي جو بايدن طالباً للنفط لا معطياً للحماية ما جعل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يشعر بالقوة الجديدة المكتسبة بعد سنوات مما يشبه العزلة...

في هذا الإطار يمكن وضع زيارته الأخيرة إلى أوروبا، زيارة من خرج من دائرة الدفاع إلى دائرة الهجوم، ومن بات يحمل دواء علاج آلام أوروبا، ولو جزئياً، ألا وهو النفط.

/انتهى/

رمز الخبر 1925630

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha