١٩‏/٠١‏/٢٠٢٦، ٢:٣٧ م

مغامرات إسرائيل في غرب آسيا: من فوبيا إيران إلى هندسة زعزعة الاستقرار الإقليمي

مغامرات إسرائيل في غرب آسيا: من فوبيا إيران إلى هندسة زعزعة الاستقرار الإقليمي

إن الفوضى التي أُعدّت لمنطقة غرب آسيا، باستخدام أدوات كالتدخلات السياسية والعسكرية في الدول وإثارة الخلافات بين الحكومات، تُعدّ مخططًا جديدًا لجعل الكيان الإسرائيلي قوة مهيمنة في المنطقة، وتحويل الشرق الأوسط من تحدٍّ عصيّ على الحل بالنسبة للولايات المتحدة إلى منطقة خاضعة لسيطرته.

وكالة مهر للأنباء: كان ترسيخ الاحتلال وتطويره وتوطيده في الأراضي المحتلة مسارًا لم يكن بوسع قادة الكيان الإسرائيلي اتباعه إلا بتطبيق نسخة متكررة لكنها فعّالة؛ خطة تقوم على خلق الأزمات والتهديدات، ثم التدخلات اللاحقة. في هذا الأسلوب، الذي اشتدّت وتيرته خاصة بعد هزيمة العرب في حرب 1967، وبعد الهجوم على ست دول عربية في المنطقة وفشله، قرر قادة الكيان الصهيوني قلب الموازين واستغلالها لصالحهم، إما بإشعال فتيل الصراع في المنطقة بأنفسهم أو بدفع الدول الغربية إلى التدخل.

تفاقمت هذه العملية بشدة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، مصحوبةً بمزيد من الذرائع والادعاءات، واتخذت إسرائيل من إيران ذريعةً، فبذلت قصارى جهدها لإثارة الأزمات، وغزو الدول، وقتل الناس في منطقة غرب آسيا. وقد حوّل السياسيون الأمريكيون والأوروبيون كل تحرك إيراني إلى تهديد رئيسي للمنطقة، مع أن الأمر بدا في البداية سيناريو لدول غرب آسيا والشرق الأوسط يُمكنها من خلاله تحقيق التنمية، إلا أن التاريخ يُظهر أن التحريض في هذه المنطقة لا يقتصر على منطقة محددة، بل يُمكن أن يُشكل تهديدات خطيرة لجميع منصات التنمية في جميع الدول. وقد بدأت بوادر هذا التوتر تظهر في المنطقة بالتزامن مع حرب الأيام الاثني عشر بين النظامين الإسرائيلي والأمريكي ضد إيران، وتصاعدت حدتها مع الهجوم على قطر، الحليف الرئيسي لأمريكا في المنطقة، واستمرت مع خطط لتقسيم الدول وتدمير العلاقات العربية في المنطقة. في غضون ذلك، يرى قادة تل أبيب في أجواء الاحتجاجات في طهران منصةً جديدةً لتعزيز خطتهم، بحيث يُمكنهم تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالهجوم العسكري، عبر الاحتجاجات الشعبية.

شكّلت عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول تحدياتٍ جسيمةً أمام عملية إرساء نظامٍ مرغوبٍ فيه بين الولايات المتحدة وإسرائيل في منطقة غرب آسيا؛ نظامٌ كان من المفترض أن يُشجع دول المنطقة على تطبيع العلاقات مع تل أبيب عبر التخفيف من حدة القضية الفلسطينية. خلال ولاية دونالد ترامب الأولى كرئيس، حظيت فكرة تطبيع الوجود الإسرائيلي باهتمامٍ كبير، حتى أن بعض الدول الإقليمية الكبرى ترددت في الانضمام إليها، لكن ما حدث في غزة والهجمات اللاحقة على سوريا ولبنان وإيران وقطر غيّر الوضع. على الرغم من كل ذلك، لا يزال سلوك الكيان ونهجه تجاه إيران على حاله. يُنفّذ مشروع "رهاب إيران" بشكلٍ مستمر وبمزاعم مختلفة، بهدف تحويل الجمهورية الإسلامية الإيرانية من فاعلٍ إقليمي مُصلح ومستقل وقوي إلى تهديدٍ استراتيجي للنظام المنشود، وتمكين المنطقة بأسرها من التوحد لإضعاف هذا التهديد. على الجانب الآخر، تسعى إسرائيل، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الإقليمية على إيران، إلى التدخل في الشؤون الإيرانية، وتزداد حدة هذا التدخل مع كل احتجاج. وقد تجلى هذا التدخل في الأسابيع الأخيرة، من خلال عمليات نفسية وتغيير نظرة الشعب الإيراني للوضع الراهن، بهدف إضعاف التماسك الاجتماعي الإيراني وزيادة انعدام الثقة في جميع الإجراءات.

إلا أن هذا السيناريو لا يقتصر تعقيده على إيران وحدها، فمراجعة ما فعله الكيان الصهيوني في الأشهر الأخيرة تشير إلى أن تل أبيب تُنفذ في الوقت نفسه عدة سيناريوهات في المنطقة. فقد جعلت من إيران تهديدًا لدول المنطقة، بهدف إحداث أول انقسام بين طهران والدول العربية في المنطقة. كما أولت اهتمامًا ودعمت طموحات بعض أمراء الخليج الفارسي لخلق توتر وخلاف بينهم وبين دول عربية أخرى في المنطقة. وتضع إسرائيل قصف لبنان المستمر على جدول أعمالها لتحذير لبنان وسوريا من عواقب معارضة مخططاتها. وأخيراً، من خلال دعم تفكك دول مثل الصومال واليمن، والسعي لإزاحة الدول الإسلامية، فإنها تستمر في الحفاظ على الفوضى في المنطقة كعنصر رئيسي، وذلك من أجل ترسيخ الولايات المتحدة في التطورات في غرب آسيا وتجنب المساءلة داخل الحكومة القائمة.

بالنسبة لإسرائيل، يُعدّ تطبيع العلاقات مع بعض الدول، ودعم دول أخرى، وتأجيج التوترات العرقية والدينية في المنطقة، جزءًا من نظرية "فرق تسد" القديمة، ولكنها فعّالة، بهدف تفتيت الكتل العربية المهيمنة في المنطقة، ومن الأسهل بكثير التعامل مع هذه الكتل المجزأة بدلًا من التعامل مع كيانها المتماسك. إنّ الجهود المُوجّهة والمُنظّرة لخلق وتعميق الشرخ بين دول المنطقة، والنهج المُعقّد الذي أعدّه بنيامين نتنياهو لهذا الغرض، يتطلب الآن، أكثر من أي وقت مضى، ردّ فعل مختلفًا من دول المنطقة، بحيث أنه على الرغم من استمرار ترسيخ صورة عدائية لطهران في عواصمها، فإنّ إيمان السلطات الإقليمية بهذه الصورة سيواجه شكوكًا جدّية. بالنسبة لنتنياهو، فإنّ تشكيل منطقة متقاربة وقوية تضمن أمنها بشكل مستقل عن الولايات المتحدة وتُعطي الأولوية لمصالحها الخاصة، يُمثّل كابوسًا وأكبر تهديد لوجودها وسياساتها الاحتلالية.

دأبت مراكز الفكر الصهيونية في الأراضي المحتلة وجماعات الضغط التابعة للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في الولايات المتحدة على دراسة فكرة تفكيك دول غرب آسيا القوية، كإيران والعراق وسوريا، وحتى تركيا، لسنوات، معتقدةً أن سبيل إسرائيل للبقاء والازدهار يكمن في تشكيل دول وأراضٍ صغيرة وضعيفة حول هذا النظام. طُرحت هذه الفكرة لأول مرة في العقد الأول من الألفية الثانية في صورة مشروع الشرق الأوسط الجديد، بهدف تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة لصالح الكيان الإسرائيلي. ويمكن تقييم الدعم الخفي والعلني للجماعات الانفصالية من الصومال إلى اليمن وإيران في هذا السياق. لم تُسفر أفكارٌ كـ"الشرق الأوسط الكبير" و"سلام إبراهيم"، وكل ما صيغ ودُفع إلى المنطقة في أروقة الكونغرس والبيت الأبيض، إلا عن تدمير الشعوب ومصالحها وتنمية المنطقة. لقد حوّلت افتعال إسرائيل للأزمات انعدام الأمن إلى عنصر دائم في المنطقة، ما أجبر غرب آسيا على تكديس الأسلحة لمواجهته. وهذه ليست سوى جزء من الحكاية. من الجوانب المهمة الأخرى تزايد انعدام الثقة بين دول المنطقة في ظل هذا النهج، مما صعّب التوصل إلى توافق في الآراء بين حكومات المنطقة، وبالتالي أضعف أو قضى تمامًا على مشاريع التعاون الإقليمي.

ما لا ينبغي للحكومات الإقليمية تجاهله أو التقليل من شأنه هو أن الكيان الإسرائيلي موجود في المنطقة ليس بإجراءات ظرفية أو تكتيكية أو متفرقة، بل باستراتيجية متماسكة طويلة الأمد، وأن السبيل لمواجهة هذه الهندسة الأمنية والاقتصادية والسياسية في غرب آسيا هو زيادة الوعي بها، وفي الخطوة التالية، تعزيز التعاون الإقليمي وإعادة تعريف الأمن الجماعي في غرب آسيا. لأكثر من سبعة عقود، سعت إسرائيل إلى تحقيق أمنها من خلال زعزعة استقرار المنطقة ودول أخرى، وطالما استمر هذا النهج، فلن تشهد المنطقة سلامًا دائمًا. لن يُحدد مستقبل غرب آسيا بالمغامرات المستمرة، بل بالحوار والتعاون والاحترام المتبادل بين الدول.

/انتهى/

رمز الخبر 1967480

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha