١٣‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ٩:٣٢ ص

خاص لمهر...

الموقف الأوروبي من الحرب على إيران بين المصالح والضغوط

الموقف الأوروبي من الحرب على إيران بين المصالح والضغوط

يحلل الدكتور يوسف عبد الحميد في هذا المقال الموقف الأوروبي من الحرب على إيران، والتضارب بين الرؤى والمصالح الأوروربية من جانب، والأمريكية والصهيونية من جانب آخر.

تم إعلان هدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران في الثامن من أبريل الجاري، بعد ساعات من انتهاء المهلة النهائية التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومع ذلك، فإن الهدنة هشة للغاية ومهددة بالانهيار بسبب استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان وتباين وجهات النظر حول شروط الاتفاق.

كما أن هناك تخوف لدى المراقبين في حال تجددت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من أن تشارك دول غربية فيها ضد إيران، وهو ما سينعكس بشكل كبير جداً على الاقتصاد العالمي ويهدد الاستقرار والأمن في العالم. فهل يمكن فعلاً أن تنعطف مجريات الأحداث بهذا الشكل الدراماتيكي؟

التكلفة الحقيقية للحرب الأمريكية على إيران

الموقف الأوروبي من الحرب على إيران بين المصالح والضغوط

استناداً إلى أحدث التقارير الصادرة حتى الساعة، فإن التكلفة الحقيقية للحرب الأمريكية على إيران تقترب بالفعل من تريليون دولار (ألف مليار دولار) عند احتساب جميع النفقات المباشرة وغير المباشرة والطويلة الأجل، وفقاً لتحليلات الخبراء في جامعة هارفارد ومعهد براون.

ففي الأسبوع الأول فقط من الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026، قدّرت وزارة الحرب الأمريكية التكلفة بنحو 11.3 مليار دولار، بينما قدّم خبراء مستقلون تقديرات أعلى بلغت 16 مليار دولار. وبعد خمسة أسابيع من الحرب، تراوحت التقديرات التراكمية بين 22 و31 مليار دولار.

فقد أطلقت أمريكا صواريخ باتريوت في الأيام الأربعة الأولى من الحرب أكثر مما أعطته لأوكرانيا خلال أربع سنوات كاملة. كما تكبدت القوات الأمريكية خسائر فادحة في معداتها، سواء بسبب الهجمات الإيرانية أو الأعطال أو حتى نيرانها الصديقة، من طائرات مقاتلة ومسيرات وطائرة ناقلة للوقود وطائرة إنذار مبكر ورادارات.

فيما يتعلق بإعادة بناء الترسانة وزيادة الإنتاج، وقّع البنتاغون عقوداً ضخمة مع شركة لوكهيد مارتن لزيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية من 600 إلى 2000 صاروخ سنوياً، ومع شركة بوينغ لتوسيع إنتاج أنظمة الصواريخ. تقدر التكلفة التقديرية لهذه العقود بمئات المليارات من الدولارات على مدى السنوات القادمة.

تقدّر الخبيرة ليندا بيلمس، أستاذة السياسة العامة في جامعة هارفارد والمتخصصة في تمويل الحروب، أن التكلفة الحقيقية ستصل بالتأكيد إلى تريليون دولار وقد تصل إلى عدة تريليونات إذا طال أمدها. هذا بالإضافة إلى الديون الحالية لقدامى المحاربين من الحروب السابقة والبالغة 7.3 تريليون دولار والتي ستضاف إليها ديون هذه الحرب. والحرب على إيران ستكون واحدة من أغلى الحروب في التاريخ الأمريكي، وعبؤها المالي الحقيقي سيتحمله دافعو الضرائب والأجيال القادمة لعقود قادمة.

الموقف الأوروبي الرسمي من الحرب

عكس ترامب في تصريحاته غضباً عميقاً من الرفض الأوروبي مشاركته حربه على إيران، متجاوزاً الانتقادات السياسية إلى التهديد بانهيار التحالف عبر الأطلسي بأكمله. ووصف حلفاءه القدامى بأنهم "جبناء" و"نمر ورقي"، ملوحاً بالانسحاب من الناتو وإعادة تموضع القوات الأمريكية بعيداً عن أوروبا "غير المخلصة" - وهو ما وصفه المحللون بأنه ردة فعل طبيعية لترامب على ما تكلّفه الحرب التي شنها بتحريض من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إيران.

وقبل اندلاع الحرب على إيران، استخدمت إدارة الرئيس ترامب مزيجاً من الإغراء والتهديد للضغط على الحلفاء الأوروبيين للمشاركة في الحملة العسكرية، ولكن هذه الضغوط قوبلت بمقاومة أوروبية متزايدة تحولت إلى رفض علني، مما كشف عن أعمق شرخ في العلاقات عبر الأطلسية منذ عقود.

حيث سعت واشنطن إلى إشراك أوروبا في تأمين ممرات الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط العالمي، وذلك لتوزيع الأعباء الأمنية وتجنب تحمل الولايات المتحدة وحدها لكلفة حماية هذا الممر الحيوي. كما أرادت الإدارة الأمريكية استخدام المشاركة الأوروبية كغطاء سياسي لإضفاء الشرعية على حرب اعتُبرت على نطاق واسع غير قانونية بموجب القانون الدولي لعدم حصولها على تفويض من الأمم المتحدة.

ولم تتردد واشنطن في استخدام أدوات ضغط قاسية لتحقيق أهدافها، فإلى جانب المساعي الدبلوماسية المكثفة، هدد الرئيس ترامب علناً الدول الأوروبية "غير المتعاونة" بعواقب وخيمة، بما في ذلك إعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا والانسحاب من الناتو. كما لوحظ استخدام ما يشبه "الابتزاز الاقتصادي" عبر التلويح بفرض رسوم جمركية أو تقييد وصول بعض الدول إلى الأسواق الأمريكية.

في المقابل، تطور الموقف الأوروبي من صمت دبلوماسي حذر في بداية الحرب إلى معارضة عملية وعلنية متزايدة، مدفوعاً بمصالحه الاستراتيجية والاقتصادية التي تضررت بشدة من جراء الحرب. فمع تصاعد الهجمات الإيرانية على منشآت النفط وناقلاته، ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد ووصل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.5%، مما هدد بإغراق القارة في أزمة اقتصادية جديدة بعد جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.

تُرجم هذا الرفض إلى أفعال ملموسة على الأرض، حيث رفضت إيطاليا السماح للطائرات الحربية الأمريكية باستخدام قاعدة جوية في صقلية، كما رفضت فرنسا وبولندا منح حقوق العبور الجوي للطائرات العسكرية الأمريكية أو نشر أنظمة دفاع جوي باتريوت في الشرق الأوسط. وجاء الرفض الأوروبي ليصل إلى ذروته في جلسة لمجلس الأمن، حيث عارضت فرنسا وألمانيا ودول أخرى مشروع قرار أمريكي يدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، مؤكدة أن الحل لا يمكن إلا أن يكون دبلوماسياً.

الالتفاف الشعبي الأوروبي حول موقفه الرسمي

إسبانيا مثلاً أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الحربية الأمريكية المشاركة في العمليات العسكرية منذ اليوم الأول، ومنعت استخدام القواعد العسكرية المشتركة مثل قاعدة "روتا" و"مورون" في الأندلس لأي أعمال مرتبطة بالحرب. ووصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الحرب بأنها "غير قانونية ومتهورة"، مؤكداً أن قواعد القوات المسلحة الإسبانية لا يمكن استخدامها لدعم عمليات خارج نطاق التزامات حلف شمال الأطلسي أو ميثاق الأمم المتحدة.

في المقابل، دعا السيناتورالأمريكي ليندسي غراهام، وهو جمهوري بارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، إلى فرض عقوبات على إسبانيا وإعادة تموضع القواعد الجوية الأمريكية خارج أراضيها، كما هدد الرئيس ترامب شخصياً بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا ردا على رفضها توفير القواعد للقصف.

ومع ذلك، فإن أكثر ما لفت الانتباه هو الدعم الشعبي الواسع الذي تلقته الحكومة الإسبانية نتيجة هذا الموقف، والذي انعكس بوضوح في استطلاعات الرأي. فقد أظهرت دراسة أجراها مركز الأبحاث الاجتماعية الإسباني أن نسبة معارضة الحرب بين المواطنين الإسبان بلغت 85%، مما يعكس حالة من الإجماع الشعبي النادر تجاه قضية سياسية كبرى.

كما أظهر استطلاع رأي أجرته مجلة "بوليتيكو" الأوروبية وشمل مواطنين من ست دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، أن 51% من الإسبان يرون أن الولايات المتحدة تمثل تهديداً لأوروبا، بينما يعتبرها 16% منافساً لأوروبا. في المقابل، يرى 13% فقط من الإسبان أن واشنطن شريك، بينما يعتبرها 17% حليفاً وثيقاً.

وقد أيّد هذا الرأي 46% من الإيطاليين، و42% من البلجيكيين، و37% من الفرنسيين، و30% من الألمان، و13% من البولنديين. كما أبدى الإسبان اهتماماً أكبر باستقلال أوروبا، حيث أيّد 94% منهم هذا المفهوم. ومن بين جميع المشاركين في الاستطلاع، أيّد 87% منهم أوروبا أكثر استقلالاً.

الموقف الأوروبي من الحرب على إيران بين المصالح والضغوط

يرى المحللون أن هذا الموقف الشعبي الرافض للحرب في أوروبا مرتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالإرث الثقيل للمجازر الإسرائيلية في غزة، حيث يشكل هذا الإرث الإطار الأخلاقي والسياسي الذي ينظر من خلاله الأوروبيون إلى أي تصعيد عسكري جديد في الشرق الأوسط. فبعد عشرين شهراً من الحرب المدمرة على غزة التي خلفت عشرات الآلاف من القتلى، وتدهور للأوضاع هناك وانتشار المجاعة وفقاً للأمم المتحدة، أصبح الشارع الأوروبي شديد الحساسية تجاه أي حرب جديدة تلوح في الأفق، خصوصاً عندما تقودها إسرائيل نفسها أو حليفتها المقربة الولايات المتحدة.

هذا الإرث الدامي جعل الأوروبيين ينظرون إلى الحرب على إيران بعيون مشبعة بالريبة والقلق، خوفاً من أن تكون هذه الحرب مجرد حلقة جديدة في سلسلة من العنف الممنهج الذي بدأ في غزة ولم يُحاسب عليه أحد. فبينما كانت المجازر ترتكب في غزة تحت أنظار العالم، شعر الكثير من الأوروبيين بالعجز والإحباط إزاء تقاعس حكوماتهم والمجتمع الدولي عن وقفها.

هذا الشعور بالخيانة والنسيان هو ما أوقد شرارة الاحتجاجات الشعبية العارمة التي اجتاحت القارة الأوروبية. ففي لندن، تظاهر أكثر من نصف مليون شخص رافعين أعلام فلسطين ولافتات تطالب بوقف تسليح إسرائيل وضد الحرب على إيران في آن واحد. وفي باريس، تجمع الآلاف في ساحة الجمهورية تنديداً بالحرب على غزة ولبنان وإيران، وفي برلين احتشد أكثر من عشرة آلاف متظاهر، وفي برن السويسرية تجمع نحو 20 ألفاً أمام البرلمان الاتحادي، وفي فيينا ومدن أخرى، خرجت مظاهرات حاشدة ربطت بين القضيتين بوضوح.

ماذا لو خضع الحكام الأوروبيون للضغوط؟

يرى الدكتور علي خلف الله الخبير في الشؤون الأوروبية بأنه إذا ما انهارت الهدنة الهشة أصلاً ما بين الولايات المتحدة وإيران، وقررت النخب الحاكمة في أوروبا الخضوع للضغوط الأمريكية والمشاركة فعلياً في الحرب، متجاهلة بذلك الإرادة الشعبية الواضحة والرافضة لهذه الحرب، فإن المخاطر التي ستواجهها القارة الأوروبية لن تكون محدودة أو بسيطة، بل ستكون كارثية ومتعددة الأبعاد، وستهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي لدول الاتحاد الأوروبي.

وبنظر خلف الله فإن أول وأسرع ضحية ستكون الاقتصاد الأوروبي الذي يعاني بالفعل من تباطؤ في النمو وارتفاع في تكاليف الطاقة، والمشاركة في الحرب ستكون بمثابة ضربة قاضية. فأوروبا تعتمد في طاقتها على الشرق الأوسط، وأي تصعيد عسكري لها في مضيق هرمز سيؤدي فوراً إلى إغلاقه. وبالتالي ستقفز أسعار النفط والغاز إلى مستويات خيالية، وهذا يعني أن المصانع ستغلق، وستتضاعف فواتير التدفئة والكهرباء على المواطنين، وسترتفع أسعار كل شيء بدءاً من الخبز وصولاً إلى الأدوية.

أضف إلى ذلك أن أوروبا ستتحمل تكاليف الحرب المباشرة من تمويل الذخائر وإرسال القوات إلى إعادة بناء ما دمر. هذه التكاليف ستُفرض على دافعي الضرائب الأوروبيين الذين يعانون أصلاً من أزمة غلاء. وفي غضون أسابيع قليلة، ستدخل في ركود عميق قد يحولها إلى منطقة فقيرة ومستوردة للتضخم.

كما أن الشارع الأوروبي سينفجر بغضب لم يشهد له مثيل منذ عقود. حيث ملايين المتظاهرين في باريس وبرلين ولندن وروما ومدريد، لا يهتفون فقط ضد الحرب، بل يطالبون برحيل الحكومات التي خانت ثقتهم. في دول مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا، حيث الإضرابات العامة والتظاهرات العنيفة جزء من الثقافة السياسية، يمكن أن يتحول الغضب إلى شلل عام كامل.

هذا السيناريو لن يقتصر على إسقاط الحكومات فقط، بل سيهدد وجود الاتحاد الأوروبي نفسه. فقرار المشاركة في الحرب لن يكون موحداً بين الدول الأعضاء. ستكون هناك دول ترفض بشدة (مثل إسبانيا وأيرلندا والنمسا) وأخرى تتردد (مثل فرنسا وألمانيا) وثالثة قد تنقاد (مثل بولندا ودول البلطيق). هذا الانقسام سيفتح باباً للخلافات الداخلية الحادة، وسيُضعف التنسيق الأوروبي المشترك في كل الملفات، من الاقتصاد إلى الهجرة إلى السياسة الخارجية.

كما أن النخب الأوروبية، التي قد تشارك في الحرب خوفاً من غضب ترامب أو طمعاً في مكاسب سياسية، ستجد نفسها في النهاية أكثر عزلة وضعفاً مما كانت عليه. فالمشاركة في حرب غير شعبية وغير قانونية دولياً ستدمر المصداقية الأخلاقية للاتحاد الأوروبي، الذي طالما قدم نفسه كقوة سلام ودبلوماسية. ستفقد أوروبا أي دور وساطة في الشرق الأوسط، وستصبح تابعة عسكرياً وسياسياً لواشنطن بشكل كامل، دون أن يكون لها أي رأي في مسار الحرب أو في ترتيبات ما بعدها.

ويختتم خلف الله بأن هذه التوقعات ليس مبالغاً فيها، بل هي قراءة واقعية لمدى التوتر المتراكم في الشارع الأوروبي، الذي ينتظر فقط شرارة جديدة لينفجر. النخب الأوروبية تعرف ذلك جيداً، ولهذا السبب تحديداً ترفض المشاركة في الحرب حالياً، ليس حباً بإيران، بل خوفاً من شعوبها.

الكاتب .. د. يوسف عبد الحميد .. أكاديمي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية

/انتهى/

رمز الخبر 1969938

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha