١٦‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ٩:٤٠ م

وقف إطلاق النار في لبنان؛ إيران تتفوق في الميدان والمفاوضات

وقف إطلاق النار في لبنان؛ إيران تتفوق في الميدان والمفاوضات

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم بدء وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام على الجبهة اللبنانية. ورغم أنه لم يتضح بعد كيف سيتعامل الكيان الصهيوني مع هذا الوقف، إلا أن هناك نقاطًا مهمة بشأنه.

وكالة مهر للأنباء- القسم الدولي: يُعدّ إعلان ترامب عن وقف إطلاق النار محاولةً لصياغة سردية سياسية محددة؛ سردية تظهر فيها الولايات المتحدة وترامب نفسه كوسيط سلام، بينما تُهمّش أطراف أخرى، لا سيما المقاومة اللبنانية ودور إيران. إلا أن حقيقة المشهد لا تكمن في نص هذا الإعلان، بل في مسار التطورات الأخيرة؛ مسار يُظهر أن وقف إطلاق النار هذا ليس نتاج إرادة واشنطن، بل نتيجة توازن مفروض.

أول ما يجب ملاحظته هو الطبيعة الحقيقية للصراع في جنوب لبنان. وخلافًا لما تُشير إليه بعض الروايات، فإن هذا الصراع ليس في جوهره بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني، بل بين المقاومة التي تتمحور حول حزب الله والجيش الإسرائيلي. لم تكن الحكومة اللبنانية طرفًا حاسمًا في هذه المعادلة، بل كانت أقرب إلى المراقب، أو في أحسن الأحوال، طرفًا هامشيًا. لذا، فإن أي محاولة لنسب وقف إطلاق النار إلى "اتفاق مع الحكومة اللبنانية" ما هي إلا تحريف متعمد للواقع.

لهذا التحريف وظيفة مزدوجة. فمن جهة، تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل التهرب من الاعتراف بأن الطرف الحقيقي في الميدان هو جهة غير حكومية لكنها نافذة، استطاعت تغيير قواعد الصراع بتسليط الضوء على دور الحكومة اللبنانية. ومن جهة أخرى، يمكن استخدام هذه الرواية كأداة لخلق انقسام داخلي في لبنان؛ انقسام بين الحكومة والمقاومة والرأي العام، ولكل منهم تصوره الخاص عن وقف إطلاق النار هذا.

لكن السؤال الأهم هو: ما الذي أجبر إسرائيل على قبول هذا الانهيار بعد أسابيع من الهجمات ورفض أي وقف لإطلاق النار؟ يكمن الجواب في تغير موازين القوى على الأرض. على مدى الأربعين يومًا الماضية، لم تفشل الهجمات الإسرائيلية المتكررة على جنوب لبنان في تحقيق أهداف النظام المعلنة فحسب، بل زادت أيضًا من تكاليفه الأمنية والعسكرية. ومن خلال الحفاظ على مستوى الردع الفعال، تمكنت المقاومة اللبنانية من خلق معادلة بات فيها استمرار الصراع مكلفًا للغاية بالنسبة لإسرائيل.

في مثل هذه الظروف، لا يُعد وقف إطلاق النار خيارًا طوعيًا، بل ضرورة مفروضة. هذه هي النقطة التي تحاول الرواية الأمريكية الرسمية إخفاءها. فعندما يتحدث ترامب عن "بداية وقف إطلاق النار"، فإنه في الواقع يختزل نتيجة عملية معقدة من الضغط والمقاومة إلى مجرد قرار سياسي بسيط؛ قرار يبدو أنه اتُخذ في غرف المفاوضات في واشنطن.

ومن النقاط المهمة الأخرى الربط بين وقف إطلاق النار هذا والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. ففي الأسابيع الأخيرة، كان أحد الشروط الرئيسية لإيران للمضي قدمًا في هذه المفاوضات هو توسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل الجبهة اللبنانية. وقد كان هذا الشرط جزءًا من استراتيجية شاملة للإدارة الميدانية والتفاوض في آن واحد. بمعنى آخر، سعت إيران إلى إثبات أن أي تقدم على طاولة المفاوضات غير ممكن دون تخفيف حدة التوترات في ساحات العمليات. وذكرت شبكة "i24" الإسرائيلية أن إيران فرضت وقف إطلاق النار في لبنان على الولايات المتحدة. وقد دفعت قوة إيران في حرب الأربعين يومًا العديد من وسائل الإعلام العالمية إلى الحديث عن قدرة طهران الحاسمة على مواجهة واشنطن. وقد أثبتت الحادثة اللبنانية هذه الحقيقة بوضوح.

والآن، مع إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، يمكن القول إن شرط إيران قد تحقق إلى حد كبير. وهذا يعني، خلافًا للرواية الأمريكية، أن واشنطن لم تكن هي من "منحت" وقف إطلاق النار، بل إيران هي التي تمكنت من فرض أحد شروطها على الطرف الآخر. وفي هذا السياق، يُعد وقف إطلاق النار أكثر من مجرد تنازل من الولايات المتحدة، بل هو انجاز من إيران ومحور المقاومة.

وهذا الأمر، بطبيعة الحال، غير مقبول لدى الطرف الآخر. لهذا السبب، تُبذل محاولة لتصوير هذا التطور وكأنه نتاج "دبلوماسية واشنطن النشطة" من خلال تسليط الضوء على دور الولايات المتحدة كوسيط. لكن نظرة فاحصة على ساحة المعركة تعيدنا إلى نقطة حاسمة: تغير موازين القوى. فما دامت إسرائيل ترى نفسها في موقع قوة، لم تشعر بالحاجة إلى وقف إطلاق النار. ولكن مع تزايد تكاليف استمرار الصراع وتضاؤل فرص تحقيق نصر حاسم، أصبح قبول وقف إطلاق النار خيارًا منطقيًا. وفي غضون ذلك، كان دور أمريكا أقرب إلى دور المُيسِّر منه إلى دور المُحدِّد.

ما يهم هنا ليس الروايات، بل الحقائق الكامنة. فالحقيقة هي أنه لولا تشكيل توازن ردع من جانب إيران وحزب الله، لما كان وقف إطلاق النار ممكناً أصلاً. لم يتشكل هذا التوازن في قاعات المفاوضات، بل في الميدان؛ ميدانٌ تمكنت فيه المقاومة من الحفاظ على مواقعها رغم الضغوط الواسعة.

وأخيرًا، لا بد من القول إن إعلان ترامب يجب تحليله كجزء من حرب الروايات. في هذه الحرب، يسعى كل طرف إلى إبراز دوره والتقليل من شأن دور الآخر. لكن بالنسبة للمحلل المتمعن، يكمن المهم في تجاوز طبقات هذه الروايات والوصول إلى جوهر التطورات. من هذا المنظور، لا يمكن عزو وقف إطلاق النار الأخير إلى الجهود الدبلوماسية الأمريكية. بل هو ثمرة عملية معقدة من الضغط والمقاومة والمساومة، تمكنت خلالها إيران ومحور المقاومة من فرض بعض مطالبهما على الطرف الآخر. وأي رواية أخرى تتجاهل هذه الحقيقة ستكون مشوهة لا محالة.

رمز الخبر 1970027

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha