٠٧‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ٨:٤٠ ص

فاتورة الحرب على إيران تصل إلى واشنطن

فاتورة الحرب على إيران تصل إلى واشنطن

ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن نسبة الرضا عن أداء دونالد ترامب انخفضت إلى 33%، بينما لا يوافق 64% من الأميركيين على أدائه. حتى بين الناخبين الجمهوريين، انخفضت شعبية ترامب إلى 72%، وهو أدنى مستوى مسجل في استطلاعات هذه الصحيفة. ويبدو أنه بعد أكثر من ستة أشهر على الحرب، بدأت تكاليفها تصل واشنطن.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: وجد دونالد ترامب نفسه في مأزق، يعود جزء كبير منه إلى الحسابات التي أجراها في بداية الحرب على إيران. فقد تصور أن إظهار القوة العسكرية وتحقيق نصر سريع يمكن أن يدفع إيران إلى التراجع، ويعزز موقعه السياسي داخل أميركا في الوقت نفسه. لكن بعد أكثر من ستة أشهر على بدء الحرب، لم تفشل خطة واشنطن فحسب، بل عادت التكاليف السياسية والاقتصادية لهذا القرار إلى داخل أميركا.

ذكرت صحيفة فايننشال تايمز، في تقرير استند إلى استطلاع جديد، أن نسبة الرضا عن أداء دونالد ترامب انخفضت إلى 33%، بينما لا يوافق 64% من الأميركيين على أدائه. حتى بين الناخبين الجمهوريين، انخفضت شعبية ترامب إلى 72%، وهو أدنى مستوى مسجل في استطلاعات هذه الصحيفة، حيث أعرب 53% فقط من الجمهوريين عن رضاهم عن أدائه الاقتصادي.

والأكثر إثارة للقلق للبيت الأبيض هو أن السخط الاقتصادي لم يعد مقتصراً على المنتقدين التقليديين لترامب، إذ قال 57% من الأميركيين إن أوضاعهم المالية ساءت خلال فترة رئاسته، وهو رقم ارتفع مقارنة بالشهر الماضي.

ولا يمكن اعتبار هذه الأرقام مجرد تراجع مؤقت في شعبية الرئيس الأميركي. فبالنسبة لترامب، كان الاقتصاد دائماً واحداً من أهم أدواته السياسية، وقد حاول مراراً تقديم نفسه كرئيس يمكنه تحويل قوة أميركا إلى نمو اقتصادي ورفاهية أكبر للمواطنين. لذلك، كلما زاد الضغط الاقتصادي، اتسعت الفجوة بين وعود ترامب والتجربة الفعلية للناس. وفي هذا السياق، تحظى الحرب على إيران بأهمية خاصة.

كان ترامب يعتمد في حساباته الأولية على أن الضغط العسكري الشديد يمكن أن يدفع طهران إلى قبول المطالب الأميركية في فترة قصيرة، وهو جزء من النهج الذي اتبعه ترامب مراراً في سياسته الخارجية: زيادة الضغط، وإحداث الصدمة، ثم انتظار استسلام الطرف المقابل.

لكن إيران لم تتصرف وفق حسابات واشنطن، إذ حال صمودها دون تحول الحرب إلى عملية قصيرة ومحدودة، مما أدى إلى ارتفاع تكاليفها. وفي مثل هذه الظروف، لم تعد المسألة تقتصر على ما حدث في الميدان العسكري، بل الأهم هو من سيدفع في النهاية ثمن هذه الحرب.

يواجه الأميركيون مشكلة جدية مع الحرب عندما تصل تكاليفها مباشرة إلى حياتهم اليومية. فارتفاع تكاليف الطاقة، والضغط على الموارد المالية للحكومة، وتكاليف العمليات العسكرية، وتداعيات الاضطراب في الأسواق العالمية، وزيادة عدم اليقين الاقتصادي، كلها عوامل يمكنها تحويل حرب كانت تُدار على بعد آلاف الكيلومترات إلى قضية داخلية. وهذه هي النقطة التي يمكن فيها لحرب خارجية أن تتحول إلى قضية انتخابية. فالرئيس الأميركي قد يتحدث لشهور عن نجاح العمليات العسكرية وإضعاف العدو وقوة الجيش، لكن إذا شعر الناخب الأميركي في نهاية الشهر بارتفاع تكاليف معيشته وتدهور أوضاع أسرته المالية، فإن الرواية السياسية للحكومة ستصطدم بحقيقة قاسية.

ويكمن أهمية استطلاع فايننشال تايمز في هذه الزاوية تحديداً، فـ64% من السخط العام، إلى جانب تراجع رضا الجمهوريين وزيادة عدد الأميركيين الذين يعتقدون أن أوضاعهم المالية ساءت، تشير إلى أن مشكلة ترامب لا تقتصر على معارضيه السياسيين، بل جزء من قاعدته التقليدية يشكك أيضاً في أداء حكومته.

وهذا الموضوع أكثر خطورة على ترامب من مجرد تراجع عادي في الشعبية، إذ يحتاج للحفاظ على موقعه السياسي إلى رواية واضحة عن النصر، ويجب أن يكون قادراً على إقناع الناخبين بأن الحرب على إيران حققت مكاسب ملموسة لأميركا، وأن التكاليف التي تكبدتها كانت تستحق العناء. وإذا لم تكن إجابة هذه الأسئلة مقنعة للرأي العام الأميركي، فقد تتحول حرب إيران من أداة قوة لترامب إلى عبء سياسي.

وبعبارة أخرى، لا تقتصر المسألة على عدد الصواريخ أو الطائرات أو العمليات العسكرية، فالحرب تصبح حاسمة في السياسة الداخلية الأميركية عندما يشعر الناخب أنه لم يحقق شيئاً من هذه الحرب، لكنه مضطر لدفع تكاليفها.

وسيحاول ترامب على الأرجح إلقاء مسؤولية التداعيات الاقتصادية على عوامل أخرى، من سياسات الاحتياطي الفيدرالي إلى ظروف السوق العالمية وتطورات الطاقة، لكن كلما زادت الفترة الزمنية منذ بدء الحرب، أصبح الارتباط بين قرارات السياسة الخارجية وتداعياتها الاقتصادية أكثر وضوحاً للرأي العام.

من هذا المنظور، يمكن أن يحمل تراجع شعبية ترامب رسالة مهمة لمستقبل السياسة الأميركية: فالمجتمع الأميركي قد يتحمل تكاليف حرب خارجية لفترة محدودة، لكن تحمل تكاليف غير محدودة لحرب لا يكون نصرها ملموساً للشعب، سيكون أكثر صعوبة بكثير.

بدأ ترامب الحرب متصوراً أن إظهار القوة يمكن أن يعزز موقعه. لكن اليوم، عاد جزء من تلك القوة العسكرية نفسها على شكل فاتورة اقتصادية وسياسية إلى داخل أميركا.

فـ64% من السخط، إذن، ليس مجرد رقم في استطلاع للرأي؛ بل يمكن أن يكون مؤشراً على بداية مرحلة يسأل فيها الأميركيون عن التكلفة الحقيقية لسياسة ترامب الخارجية. وإذا تحول هذا السؤال إلى مطلب عام: "ما هو مكسب هذه الحرب؟"، عندها قد لا يكون الشرق الأوسط أكبر ساحة معركة لترامب، بل الرأي العام داخل أميركا.

/انتهى/

رمز الخبر 1973606

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha