٣٠‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ١٢:٠٧ م

محمد هادي ملكي محلل في الشؤون السياسية الدولية:

الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله؛ نمط من التضحية والقيادة والانتصار لمحور المقاومة

الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله؛ نمط من التضحية والقيادة والانتصار لمحور المقاومة

تمثل الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد «سيد المقاومة» و«شهيد الأمة»، حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله، فرصةً لقراءة المنظومة الفكرية والسياسية والجهادية لشخصيةٍ تجاوزت معادلاتها حدود لبنان، لتغدو «عقيدة مقاومة» في أرجاء العالم الإسلامي.

وكالة مهر للأنباء: إن استشهاد السيد حسن نصر الله، ليس فقدان شخصية، بل هو «نقطة عزيمة» نحو فصلٍ جديد في الصراع التاريخي للحق ضد الاستكبار. لقد حررت هذه الحادثة تيار المقاومة من قيد «الشخص»، وحوّلته إلى «خطاب حضاري». وما اعتبره العدو «ضربةً» لجسد المقاومة، تحول في الواقع إلى محركٍ تسارعي للانتقال من مرحلة القيادة الكاريزماتية إلى «هيكلٍ استواري هجومي»؛ مسارٌ لم يتوقف بدماء الشهيد، بل يمضي بزخمٍ استراتيجي نحو فرجامه الناجز.

ومع ذلك، فإن قراءة إرث الشهيد السيد حسن نصر الله ليست مجرد استعادة لذكرى أمين عام أو قائد شهيد؛ بل هي استقراء لتجربة فكرية وسياسية وجهادية تبلورت عبر عقود وأثرت في بنية المقاومة في لبنان وسائر المنطقة. وفي هذا المقال، ومن خلال ثلاثة محاور أساسية — «طاعة القيادة»، «تحول قوة المقاومة»، و«الانتصارات» — نسعى لاستعراض الدور المحوري للشهيد نصر الله في تشكيل وتعميق «المشروع المهدوي» والمقاومة الإسلامية.

المحور الأول: طاعة القيادة؛ التأسيس لوحدة الأمة الإسلامية

في قلب المنظومة الفكرية والمشروع السياسي–الجهادي للشهيد السيد حسن نصر الله، كان لمفهوم «طاعة القيادة» مكانة بنيوية. لم يكن ينظر إلى هذا المفهوم كمجرد أصل عقائدي، بل كاستراتيجية سياسية ودبلوماسية لتعزيز انسجام الأمة الإسلامية؛ استراتيجية تعمل كمرساة قوية تمنع انهيار سفينة الأمة في طوفان التباعد.

هذه الرؤية متجذرة في تعاليم النبي الأكرم (ص) وأهل البيت (ع)، وقد تبلورت وتكاملت عبر التاريخ على يد علماء الشيعة العظام. في رؤية السيد نصر الله، كانت الأمة الإسلامية جسداً واحداً عابراً للحدود الجغرافية، وليست لغزاً من الشعوب المتفرقة. من هذا المنطلق، اعتبر مسألة القيادة جزءاً لا يتجزأ من مصير ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها.

هذا الموقف يتناغم تماماً مع تطلعات الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (ره)؛ الثورة التي سعت لإنهاء حالة التشتت والانفعال في العالم الإسلامي، لتعيد صياغة الأمة كقوة مقتدرة في هندسة القوى العالمية.

من الناحية السياسية، مثّلت طاعة القيادة في هذه المنظومة الفكرية، سداً استراتيجياً أمام الترسيمات السياسية التي فرضها الأجانب. كان السيد حسن نصر الله يؤكد دوماً أن القوى الخارجية تركز، بهدف تفتيت وإضعاف الأمم الإسلامية، على مشروع تجزئة العالم العربي والإسلامي. وهذا المسار الذي ينتهي في نهاية المطاف إلى ضعف جسد الأمة، لا يُكبح ولا يُهزم إلا بالتمسك بمحورية القيادة والوحدة السياسية الناتجة عنها.

من هنا، ليست القيادة منصباً فردياً، بل هي «مؤسسةُ انسجامٍ» للأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر. لقد وضع الإمام الخميني (ره) لبنات هذا البناء الحضاري، وأكمل المسير قائدُ الثورة الإسلامية، سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، بقيادته الاستراتيجية، ليؤديا دوراً مركزياً في عملية إعادة بناء وحدة الأمة الإسلامية، محولين هذا المفهوم من حلم ذهني إلى واقع عيني في هندسة القوة العالمية.

في رؤية السيد نصر الله، لم يكن ينبغي حصر مسألة القيادة في إطار قومي أو وطني أو مذهبي. لقد ربط تاريخ العرب والعالم الإسلامي بهذه المنظومة، معتبراً القيادة مقولة مرتبطة بمصير جميع المسلمين، شيعةً وسنةً. من هذا المنطلق، لم تكن هذه الرؤية تعني مجرد التقليد الفقهي أو الطاعة الفردية، بل كانت آلية كلية لإعادة بناء التضامن والوحدة الإسلامية؛ وهي الأهداف التي أرساها قادة الثورة الإسلامية، محدّدين غاياتها بما يتجاوز أي حدود جغرافية ضيقة. هذا الأفق الرحب انعكس في النظام الداخلي لحزب الله؛ حيث يرى الحزب نفسه جزءاً من جند صاحب الزمان (عج)، ويعرّف رسالته بما يتجاوز الصراع السياسي أو الجغرافي الصرف.

من هذا المنظور، يمكن اعتبار اتباع القيادة نوعاً من الانتقال من الفردية إلى الجماعية؛ حركة يرى فيها الأفراد والتيارات أنفسهم جزءاً من كلٍ أكبر. تماماً كما تحلق الطيور في سربٍ منظم خلف القائد، يمكن للأمة الإسلامية في ظل القيادة الواحدة أن تتحول من مجموعة متفرقة إلى قوة منسجمة ومؤثرة.

لقد طُرح موضوع «تصدير الثورة» منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية، وانعكس في القانون الأساسي، ولا سيما في المادة 154. هذه السياسة، بأكثر من كونها تدخلاً عسكرياً، تقوم على ترويج الخطاب الإسلامي ودعم حركات التحرر والمقاومة؛ وهو الأمر الذي كان الإمام الخميني (ره) يصفه بأنه تكليف شرعي وإنساني.وقد نقل الشهيد السيد حسن نصر الله هذا الطموح من مستوى الفكر إلى ساحة الميدان في لبنان والعالم العربي، جاعلاً المقاومة رمزاً عملياً لتصدير الثورة.

كما أن شعار «لا شرقية ولا غربية» يعد من المبادئ الأساسية لخطاب الثورة الإسلامية، وقد تمسك به الشهيد السيد حسن نصر الله دوماً. هذا الشعار في إطار تصدير الثورة، تجاوز الحدود الجغرافية لإيران ليتحول إلى أداة خطابية لنفي التبعية للقوى الاستكبارية ونصرة المستضعفين في العالم.

إن دبلوماسية المقاومة في مواجهة سلطوية أمريكا والكيان الصهيوني، في رؤية السيد نصر الله، كانت جزءاً من جهاد بنيوي لتحويل الأمة الإسلامية إلى جسد مكتفٍ ذاتياً، مقاوم، ويتمتع بإرادة سياسية حرة. وقد سعى الشهيد، امتداداً لتوجيهات قائد الثورة، سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، وإيماناً بأن هذا الطريق مرتبط بنصر الله وإرادته، لترسيخ هذه الرؤية بين تيارات وشخصيات المقاومة في العالم العربي، وتحويلها إلى مبدأ ثابت وغير قابل للتراجع في خطاب المقاومة.

المحور الثاني: تحول قوة المقاومة؛ من التحدي المحدود إلى القوة الإقليمية والفرعية

المؤشر الثاني المهم في إرث الشهيد السيد حسن نصر الله، هو تحول المقاومة من تشكيل محدود إلى قوة عسكرية وسياسية واستراتيجية؛ قوة استطاعت بمرور الوقت تغيير الحسابات الأمنية والعسكرية للاعبين الإقليميين ووضع المعتدين أمام تحديات بنيوية.

تعود جذور هذا التحول إلى تجربة احتلال لبنان عام 1982؛ تلك الحقبة التي دخلت فيها القوى الغازية إلى بيروت ومناطق مختلفة من لبنان، بينما كانت المقاومة الشعبية تجاه هذا الهجوم لا تزال تفتقر إلى التنظيم والانسجام اللازمين.

في ما تلا ذلك، أحدث التبلور والتشكل التدريجي لقوى المقاومة تغييراً في الموازين السابقة. وقد أدى الشهيد السيد حسن نصر الله، بالاعتماد على قادة بارزين أمثال الشهيد عماد مغنية والشهيد مصطفى بدر الدين وغيرهم من رافعي راية المقاومة، دوراً فريداً في تقوية المجاهدين وتأسيس الهيكل الدفاعي والعسكري لحزب الله.

إن المعارك المستمرة والحاسمة للمقاومة — بما في ذلك العمليات التي استهدفت قواعد وقوات المعتدين الأمريكيين، ومشاة البحرية، وغيرهم من المحتلين الغربيين — كسرت التفوق العسكري والحسابات الأمنية للقوى الأجنبية في لبنان ورفعت تكلفة بقائهم إلى أقصى حد؛ مسارٌ رادع أدى في النهاية إلى طرد المعتدين من بيروت وانسحاب القوى الأجنبية الكامل من الأراضي اللبنانية.

من منظور تحليلي، يمكن اعتبار هذا التحول نموذجاً عينياً لتحويل النواقص والمضايق إلى طاقات استراتيجية؛ نوع من التدبير الميداني الذي تحولت فيه النواقص الأولية إلى دافع قوي للنظام التنظيمي، والاكتفاء الذاتي الشامل، والتطور المستمر للقدرة القتالية. لم يمتلك حزب الله في بداية هذا الطريق أسلحة متطورة ومعدات ثقيلة، لكنه بنى خطوة بخطوة هيكلاً متعدد الطبقات ومتماسكاً، اصطفت فيه جنباً إلى جنب مشاة النخبة، والوحدات المدرعة، والقدرة الصاروخية الدقيقة، والأنظمة الحديثة للطائرات المسيرة، والوحدات البحرية.

في هذا الإطار، أشار بعض المحللين والمراقبين الدوليين إلى هذا الهيكل بتعابير مثل «دولة حزب الله الصغيرة»؛ تعبير يكشف بوضوح عن اعتراف المحافل الغربية بالانضباط التنظيمي، والاقتدار الملحوظ، والقدرة على الفعل المستقل لهذه الحركة الشعبية.

ومع ذلك، فإن تقدم ونمو حزب الله لم يتوقف أبداً عند حدود القوة المادية والعسكرية. لطالما أعاد الشهيد السيد حسن نصر الله تعريف هذا الهيكل في متن مخطط حضاري مرتبط بالآمال المهدوية؛ بمعنى أن المقاومة ليست مجرد مهمة محدودة للدفاع عن أرض معينة، بل هي ركن بنيوي من استراتيجية تاريخية شاملة لتحقيق الأهداف الإيمانية السامية وتحرير الأمة الإسلامية.

وعلى المستوى الإقليمي أيضاً، أدى هذا التحول المبارك إلى توسيع النموذج وجريان فكر المقاومة من لبنان إلى باقي الجبهات. إن التناغم والأخوة المتجذرة بين السيد حسن نصر الله وقادة كبار مثل الفريق الشهيد قاسم سليماني، وضع اللبنة الأولى لنشوء واستحكام منظومة فكرية وعملياتية موحدة بين كافة أذرع المقاومة.

في هذه المنظومة الديناميكية، التفت قوى مثل الحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن، وفصائل المقاومة الفلسطينية — رغم خصائصها المحلية والجغرافية والهيكلية — حول الأسس العقائدية والأهداف الاستراتيجية الموحدة. هذا التضامن لم يكن أبداً نابعاً من الطاعة الإدارية والتنظيمية لقاعدة خارجية، بل استند إلى الأسس الراسخة لخطاب المقاومة الموحد، والعمق في معرفة العدو، والالتزام بالأهداف الحضارية الكبرى؛ عوامل منحت كلاً من هذه الأجزاء، رغم الحفاظ على الاستقلال الهوياتي، تناغماً استراتيجياً نادراً.

لم يكن هذا الربط ميثاقاً إدارياً وتشريفاتياً بين الدول، بل كان رابطاً إيمانياً تجذر في الأفكار السامية للإمامة، والولاية، ونفي سلطة الأجانب؛ عهدٌ يجد بموجبه كل مجاهد في الميدان نفسه حلقة حية في جبهة عالمية ضد الاستكبار. وهكذا، تجاوزت المقاومة مستوى الإجراءات الدفاعية المحلية وارتقعت إلى استراتيجية إقليمية وعابرة للأقاليم؛ استراتيجية شاملة احتوت الأبعاد العسكرية والسياسية والاجتماعية والإيمانية معاً.

من جانب آخر، قامت غرف التفكير وأجهزة التقدير في جبهة الاستكبار أيضاً بتقييم هذه الشبكة المتماسكة كأكثر من مجرد جماعة مسلحة، واعتبرتها نموذجاً متوسعاً وخطراً وجودياً على مصالحها الاستعلائية في غرب آسيا؛ ومن هذا المنطلق لم يتوانوا حتى الآن عن أي حيلة أو إعاقة لردع هذا الجذر المثمر، وضربه، واقتلاعه. مع كل ذلك، كواحدة من أبرز إنجازات عهد الشهيد نصر الله، استطاعت المقاومة تثبيت مكانتها كركن حاسم في معادلات المنطقة والعالم إلى الأبد.

المحور الثالث: الانتصارات؛ درس في الجهاد والمشروع المهدوي

المحور الثالث البنيوي في قراءة إرث الشهيد السيد حسن نصر الله، هو سلسلة الانتصارات الباهرة التي تحققت في عهد قيادته في ميادين المعركة المختلفة، والتي صنعت منه وجهاً منتصراً وعلامة للظفر في العالم الإسلامي. إن كلمته التاريخية والاستراتيجية في خضم معركة تحرير جنوب لبنان — «ولى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات» — كانت الرمز البارز لهذه الرؤية الإلهية. في هذه الرؤية التوحيدية، لا يقاس النصر والظفر بالمعايير المألوفة، أو السيطرة على الأرض، أو موازنة عدد الخسائر؛ بل يعرف جوهر النصر في الثبات على المبادئ الجهادية، واستقامة العزم، والتسليم لعدم الاستسلام المؤمن، والمتابعة الحثيثة للطريق الذي تكون غايته النهائية التمهيد لظهور المخلص الموعود، الإمام المهدي (عج).

في إطار هذا المنطق الإلهي، الشهادة والحياة الدنيوية وجهان لحقيقة واحدة؛ لأن الأصل البنيوي في الصراع في سبيل الله، هو الثبات على القيام بالتكليف الإلهي حتى الوصول إلى وعد الله الحق. الشهادة ليست نهاية للنضال، بل هي أعلى مراتب الجهاد وأفق جديد يتم فيه تسليم بار أمانة القيادة بجدية وثبات أكبر إلى أجيال المقاومين اللاحقة.

لقد وسع الشهيد نصر الله بهذه القاعدة أفق مراقبة المقاومة إلى ما بعد حدود لبنان وربطها بحركة متصلة في جميع أنحاء جغرافيا العالم الإسلامي — من إيران والعراق إلى اليمن وسوريا وفلسطين والبحرين وغيرها من الشواطئ — بحيث أصبحت جميع الأراضي الإسلامية كأعضاء مترابطة تقوم بدورها في جسد واحد.

من منظور التقييم الاستراتيجي، فإن انتصارات محور المقاومة هي نتاج المزيج الدقيق للتضحية، والإيمان الراسخ، والذكاء في الميدان، والدبلوماسية العزة. الشهيد نصر الله ورفاقه الأبطال، وقفوا مرات عديدة في مفترقات الطرق المصيرية بمعدات وأعداد بدت قليلة، في مواجهة أكثر الجيوش المعتدية تجهيزاً والتواطؤات الاستكبارية، وبإرباك الحسابات المادية للعدو، جعلوا تكلفة استمرار الاحتلال خارج نطاق قدرة هؤلاء.

في خطاب المقاومة، لا يتم قياس النجاح بالمسطرة المادية والتقدم الحدودي؛ بل الصمود في القرار، وطهارة النية، وحفظ جوهر الإيمان، وأخيراً الوصول إلى فيض الشهادة، هي أركان النصر النهائي غير القابلة للتجزئة. في هذا الطريق، فإن رحيل القادة والمجاهدين هو ميثاق متجدد ودموي مع الله والأمة الإسلامية؛ عهد لا يزول برحيل مجاهد، بل يفتح آفاقاً أوسع لنهوض أجيال جديدة. ومن هنا، لم يكن السيد حسن نصر الله في قلوب عشاق طريق الحق مجرد قائد سياسي أو عسكري، بل كان تجسيداً لنصر الله وانعكاساً للإرادة، والتوكل، والرفعة لأمة بأكملها.

يُظهر تقييم التطورات الإقليمية أن الاعتماد والثقة بالقوى الأجنبية، لم يثمر أبداً سوى الذل، وتدخل الأجانب، وإضعاف الاستقلال، والهزيمة للأمم. في مواجهة هذا الخزي، فإن إقامة صفوف مستقلة ومترابطة وبومية من قوى المقاومة، هي الطريق الوحيد المشرف لحماية السيادة الوطنية والاستقلال للمجتمعات الإسلامية؛ الطريق الكبير الذي وضع المعماريون العظام أمثال الشهيد السيد حسن نصر الله والقادة الفدائيون رسالة تاريخية في تأسيسه واستقامته.

من نفس المنظور، فإن أكبر خوف وهلع لجبهة الاستكبار هو بقاء وتعميق مثل هذا الهيكل المقاوم في جميع أنحاء المنطقة؛ هيكل ذاتي الاعتماد استند إلى المعتقدات الفولاذية والروابط الحضارية، وبحسب معتقدي هذا النهج، لن يلين أو ينكسر بالحذف الفيزيائي لقائد. في هذا الفكر، آرمان «النضال حتى الشهادة» ليس نهاية الطريق، بل هو شرط الوصول إلى الأهداف الحضارية السامية؛ عملية قدسية يولد في جريانها، طيران كل مجاهد، دافعاً وشوقاً عاصفاً في صفوف الأجيال اللاحقة.

الخاتمة؛ إرث السيد نصر الله وآفاق المستقبل

نجح الشهيد السيد حسن نصر الله من طريق التنسيق والتضافر بين ثلاثة أركان أساسية وهي «اتباع القيادة»، و«تحول وارتقاء قدرة المقاومة»، و«الانتصارات الميدانية الباهرة»، في تحويل الأمة الإسلامية المشتتة إلى مؤسسة منظمة، ومؤثرة، وذات إرادة مستقلة في الساحة العالمية؛ وحدة لا نظير لها في المنظومة المعرفية للمقاومة، لها مكانة خاصة في تمهيد الظروف لظهور المنقذ الموعود، حضرت ولي‌عصر (عج).

هذا الإرث القيم، تجاوز حدود لبنان ويدعو في مقابل أنظار طلاب العدالة، جميع أبناء الأمة إلى التضحية، والتضامن، والثبات، والتحرر من قيد التبعية. في الصراع مع نظام السلطة والاستعمار الجديد، محور المقاومة — الذي يمكن فيه لكل إنسان حر ومؤمن أن يكون مجاهداً في خندق الحق — عرض نموذجاً شاملاً للعزة، والاستقلال، والتغلب على إرادة الأعداء.

من هذه الزاوية، الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله، ليست فقط مجالاً للحزن وتكرار فقدان شخصية قيمة؛ بل هي فصل تاريخي للمراجعة والخطو في نفس الطريق المنير الذي مهدته هو ورفاقه في العقود الماضية؛ الطريق الذي تستند أسسه إلى التضحية، والتمسك بحبل الله، وطلب الحرية، واستمرار الخط الأحمر للشهادة.

في ختام هذا التحليل، السؤال الجوهري بعد استشهاد السيد حسن نصر الله ليس البقاء فيما فُقد بهجرته الظاهرية؛ بل التركيز على هذه الحقيقة وهي أن الهندسة، والخطاب، والتنظيم الذي كان له دور تاريخي في نموه، كيف سيواصل طريقه نحو الكمال بفاعلية مضاعفة.

في عقلانية المقاومة، استشهاد السيد حسن نصر الله ليس نهاية لحركة، بل هو «بداية» محولة إلى مرحلة أسمى من الولادة، والنمو، وإعادة إنتاج القوة. غرف تفكير العدو بإغلاق أعينهم عن هذا التيار المتجذر وتقليصه إلى الأفراد، وقعوا في دوامة الخطأ الحسابي؛ لأن المقاومة هي نموذج حضاري حي، هويتي، وذاتي التوليد لن يصاب بالوقوف بحذف قادة الظاهري. اليوم، الغياب الظاهري للقائد، ليس علامة على النقص، بل هو دافع للانسجام، والوحدة التنظيمية، ومسرع للطريق الذي يعتبر النصر النهائي فيه، أبعد من آرمان، ميثاقاً صادقاً وفرجاً قطعياً في تداوم هذه الثبات.

رمز الخبر 1974272

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha