ان انتشار القوات الامريكية في اطراف مدينة النجف الاشرف الدينية بذريعة اعتقال احد رجال الدين الشيعة في العراق , هي واحدة من اخطر الاجراءات التي اتخذتها القوات الامريكية على مدى عام من احتلال العراق.

مع ان اغلبية الشعب العراقي وبالاخص علماء الدين التزموا الصمت حيال العمليات العسكرية الامريكية في احتلال بلادهم بسبب تخلصهم من دكتاتور غاشم , الا انه لا يعني انهم يقبلون بجميع ممارسات قوات التحالف.
فمراجع الشيعة في العراق كانوا عبر التاريخ المحور الرئيسي لمحاربة الظلم والاستعمار سواء المباشر او غير المباشر وتولوا قيادة الشعب العراقي وان جميع الانظمة التي حكمت العراق والمستعمرين على مدى التاريخ يدركون تماما هذا الدور الهام للمرجعية الشيعية.
فحصار مدينة النجف الاشرف لمدة ثمانية اشهر في بداية القرن العشرين من قبل القوات البريطانية ادى الى نشوب انتفاضة دموية بقيادة علماء الدين وبالتالي اندلاع ثورة العشرين وهزيمة القوات الانجليزية وهروبها من العراق.
وقد اسفرت محاولات حكومات ملوك العراق فيصل الاول وفيصل الثاني وكذلك نوري السعيد رئيس وزراء العراق حتى عام 1958 (الاطاحة بالنظام الملكي في العراق) من اجل تحجيم نفوذ مراجع الشيعة الى نتائج عكسية.
فمنذ عام 1920 اي منذ زمن طرد القوات الانجليزية واقامة نظام ملكي حاولت القوى الاجنبية عن طريق تشكيل حكومات عميلة الى مواجهة ظاهرة السيادة الدينية في العراق وعزل علماء الشيعة.
ولكن في الحقيقة فان الارتباط العميق لشيعة العراق الذين يشكلون نسبة 65 بالمائة من السكان مع علماء الدين افشل هذه المؤامرات.
فنظام حزب البعث العراقي الذي حكم لمدة 35 عاما وتصديه المستمر لعلماء الدين وحتى نفيه وقتله لعلماء الدين المجاهدين لم يستطع ان يقلل من اهمية دور القادة الدينيين في الساحة السياسية العراقية.
ان الاحداث الاخيرة التي وقعت في مختلف المدن العراقية ومن بينها النجف الاشرف كانت نتيجة طبيعية لرد فعل الشعب العراقي ازاء الاداء الفردي وغير المنطقي لبول بريمر الذي يسعى من خلال الزي المدني ان يحل قضايا العراق المعقدة بالقوة العسكرية.
ان افتقار الحاكم الامريكي المدني لمعرفة دقيقة للبنية السياسية والاجتماعية والدينية للعراق , ادت للاسف الى دفع البلاد باتجاه اسفر عن وقوع احداث عنيفة مؤخرا.
ان الظاهرة القبيحة وغير المنطقية في خطف الافراد واحتجاز الرهائن في مناطق من العراق غير مقبولة بتاتا لكن هذه الظاهرة هي نتيجة طبيعية لمقتل 600 امراة وطفل واصابة 1500 آخرين في مدينة الفلوجة.
ان القوات الامريكية واجهت على مدى العام الماضي اقل من واحد بالمائة من الشعب العراقي واستطاعت هذه الفئة القليلة من الحاق خسائر فادحة بالامريكيين.
وعلى هذا الاساس فان تحدي اغلبية الشعب العراقي من قبل رئيس اركان الجيش الامريكي ريتشارد مايرز وقائد القوات الامريكية في العراق الجنرال ريكاردو سانشيز والحاكم الامريكي المدني في العراق بول بريمر هي في الحقيقة اطلاق رصاصة الرحمة على القوات الامريكية وسياستها الخارجية.
ومع ان امريكا بعد استفحال الازمة الاخيرة في العراق طلبت من الجمهورية الاسلامية الايرانية المساعدة لحل هذه الازمة المعقدة , ولكن اذا كان هذا العمل من اجل تبرير الاجراء الامريكي فقط لتبرير عملهم القادم لشن هجوم على مدينة النجف الاشرف فان العام سيواجه في المستقبل كارثة اقليمية وغير متوقعة.
فمن جهة دعت امريكا ايران للتوسط ومن جهة اخرى فان الناطق باسم الخارجية الامريكية يعلن ان على الوفد الايراني ان لا يخرج عن الاطار الذي حددته امريكا لحل المشكلة القائمة في مدينة النجف.
ومن الطبيعي ان تقبل ايران بهذه المهمة العسيرة والمعقدة وغير المتوقعة من اجل تفادي وقوع حرب اهلية والحيلولة دون ارتكاب مجازر ضد الشعب العراقي ومن اجل المحافظة على الاماكن المقدسة لكن لا يعني هذا ان ايران موافقة على استمرار احتلال العراق.
ان حل ازمة النجف بحاجة الى معرفة دقيقة لعلاقة الشعب العراقي مع قادته الدينيين , وان وفد الجمهورية الاسلامية الايرانية باشر مهامه نظرا لهذه المعرفة ويسعى الى التعامل الحساس والدقيق مع هذه الازمة لانهائها.
وبالتاكيد فان هناك اطرافا عديدة تحول دون نجاح مهمة وفد الجمهورية الاسلامية لان الاغتيال الجبان للسكرتير الاول للسفارة الايرانية ببغداد ياتي في اطار محاولة افشال المساعي الايرانية.
ومن المسلم به فانه كلما كان مقدار نجاح الوفود الايرانية في تسوية هذه الازمة كبيرا فان الهجمات ستزداد على رعايا الجمهورية الاسلامية من قبل الذين يريدون نشوب حرب اهلية في العراق.
وعلى هذا الاساس فان على مسؤولي البيت الابيض ان يدركوا ان المرحلة الراهنة هي مرحلة بالغة الحساسية وان اصغر خطأ سياسي سيدفع المنطقة الى حافة الهاوية.
وخلاصة الكلام هو ان مدينة النجف الاشرف تعتبر اكثر المدن الشيعية في العالم قداسة وان ادنى عمل يسيء الى حرمة هذه المدينة سيواجه برود فعل عشرات الملايين من الشيعة في انحاء العالم وعندها لن يكون بامكان تسوية الازمة العراقية بشكل سلمي وسيؤدي هذا الامر كذلك للتاثير على السياسة الداخلية لجورج بوش./انتهى/
حسن هاني زاده
خبير القضايا الدولية بوكالة مهر للانباء


 

رمز الخبر 71383

تعليقك

You are replying to: .
  • 1 + 9 =