کیفیة ظهور وإنهیار النظام العالمي في القرون الثلاثة الماضية

أثبت التاريخ أي نظام عالمي مستقر معترف به ومدعوم من قبل الفاعلين الرئيسيين في العالم عادة ما يستمر ما بين ثلاثة وأربعة عقود أو أقل.

وكالة مهر للأنباء، سعيد عدالت جو: مؤخرا تحدث قائد الثورة الاسلامية خلال لقائه في شهر رمضان المبارك مع الطلاب عن تغيير النظام الحاكم في العالم. لقد أكد مرارًا وتكرارًا على مسألة تغيير النظام العالمي. في سلسلة من المقالات، سوف ندرس الأبعاد المختلفة للنظام العالمي الجديد.

نحن نتحدث عن نظام عالمي جديد عمره قرن تقريبًا. في أعقاب الحرب العالمية الأولى وتشكيل عصبة الأمم، وصف الرئيس الامريكي آنذاك ودرو ويلسون مصطلح النظام العالمي الجديد بأنه نظام عالمي جديد يركز على عصبة الأمم، ويخلق نظامًا للحفاظ على السلام والأمن الدولي.

لقد رأينا العديد من التغييرات في النظام العالمي منذ ذلك الحين، ولكن هذا المفهوم أقدم بكثير. إذا اعتبرنا السياسة ساحة من العلاقات المتعلقة بتوزيع القوة، وجهودهم لممارسة السلطة على بعضهم البعض، والقضاء على الدول الأضعف وصعود الدول الاخرى. وستستمر سلسلة الصعود والانهيار بين القوى المختلفة ووجود هذه السلسلة يرجع الى الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث نشهد صعود وانهيار حكومات بابل وآشور ومصر والحثيين، لاحقًا مع ظهور إمبراطوريات عظيمة مثل الإمبراطورية الفارسية ثم إسكندر وخلفائه، روما، الساسانيون، الأمويون والعباسيون، ثم القوى الأوروبية لاحقًا، كل هذه التغيرات قدمت مفهومًا جديدًا لموازنة القوى بين الإمبراطوريات الكبرى.

ومع بداية عصر الاستكشاف، نشهد نوعًا من تحول للنظام الأوروبي (الناتج عن توازن القوى بين القوى الأوروبية) إلى نظام عالمي (هيمنة القوى الأوروبية على العالم وتعريف العالم على أساس موازنة القوى فيما بينهم).

من صلح وستفاليا إلى نهاية حرب السنوات السبع

يُعرَّف النظام الدولي بمعناه الحالي بأنه نظام یتشکل من العلاقات والأفكار وأسس العلاقات بين الدول حول العالم. وتاريخياً، في القرن السادس عشر، بدأ یتشكل النظام العالمي خلال إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القوى الأوروبية والتأسيس الأولي لنظام "القوى العظمى" في أوروبا. يمكن رؤية النموذج الأولي للمبادئ القانونية لنظام العلاقات الدولية في صلح وستفاليا عام 1648، في الحقيقة هذا السلام أنهى الحروب المدمرة التي استمرت 30 عامًا في أوروبا الوسطى. ومع ذلك، فقد استغرق الأمر ما يقرب من قرنين من الزمان حتى تتشكل هذه المبادئ. أصبح مفهوم السيادة كنتيجة للسلام الويستفالي تدريجياً نقطة مركزية في السياسة الداخلية والخارجية وأصبح الدعامة الأساسية لنظام العلاقات الدولية بعد الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

كانت حرب الثلاثين عامًا نفسها بمثابة إرث الحروب الدينية في أوروبا لقرن السادس عشر، ولكنها قدمت في الوقت نفسه مبدأين جديدين في السياسة الخارجية استخدمهما السياسيون لاحقًا على نطاق واسع: الحفاظ على "توازن القوى" الدولي بواسطة دعم التحالفات الأضعف على تحالف أقوى وإعطاء الأولوية للمصالح الوطنية على المصالح الأخرى (الدينية والأيديولوجية وما إلى ذلك).

هذه المبادئ في إطار العلاقات الدولية هي المحور الرئيسي لفهم نمط العلاقات الأوروبية والعالمية والنظام الناتج منه. إن تطبيق هذه المبادئ في السياسة الخارجية لبعض البلدان (مثل فرنسا وبريطانيا لاحقًا) بهدف إنشاء عدد من التحالفات العسكرية السياسية سمح لهم بالحفاظ على التوازن والتحكم فيه لصالحهم. مع وضع هذا في الاعتبار، يمكن للمرء أن يفهم بشكل أفضل خصائص التحالفات العسكرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالإضافة إلى أسباب التبادلات داخلها.

من نهاية حرب السنوات السبع إلى مؤتمر فيينا

على الرغم من أن توازن القوى قد حظي باهتمام كبير بعد صلح وستفاليا، إلا أنه لا يزال من الممكن اعتبار هذا المفهوم محور النظام العالمي الجديد بعد حرب السنوات السبع (1756-1763). في النهاية ظهر وضع جديد في الحرب بين القوى الأوروبية في ذلك الوقت، وهي بروسيا وفرنسا والنمسا وروسيا وبريطانيا. من خلال هذه المواجه تحولت بريتانيا الى قوة عالمية وبروسيا إلى قوة أوروبية مهمة. ومن ناحية أخرى، خسرت فرنسا قدرًا كبيرًا من قوتها في أوروبا ومن ناحية أخرى خسرت مستعمراتها في الهند وأمريكا الشمالية، ويمكن ان نعتبر أهم سمة هذا العهد من الزمان هي توازن القوى. ومع ذلك، فإن العواقب المالية للقوتين الرئيسيتين في ذلك الوقت، فرنسا وبريطانيا كانت شديدة من الناحية المالية لدرجة أنها أدت إلى ثورتين رئيسيتين في التاريخ الحديث، الثورتان الفرنسية والأمريكية.

من الثورة الفرنسية حتى مؤتمر فيينا

أدت الثورة الفرنسية وظهور نابليون اللاحق إلى تغيير النظام العام الذي تشكل بعد حرب السنوات السبع. لقد تحدت الثورتان الأمريكية والفرنسية حرمة النظام الملكي والملكية، فمن ناحية اخرى، أدت القوة المتزايدة لفرنسا في عهد نابليون وسيطرتها على أوروبا ومحاولتها الإطاحة بروسيا، إلى توحيد القوى الأوروبية لاحتواء التهديد الفرنسي: على الرغم من أن أساس النظام العالمي كان لا يزال هو مفهوم توازن القوى، إلا أن الجهد المبذول للحفاظ على المؤسسات القائمة، وخاصة الملكية، كان محورًا آخر في هذه الفترة من النظام العالمي.

اجتمعت روسيا والنمسا وبروسيا وبريطانيا بعد توحيد وهزيمة نابليون في مؤتمر فيينا وفي معاهدة اعتبروا أن راحة أوروبا تعتمد على الحفاظ للنظام القائم على أساس قوة السلاطين و الدساتير. لكن عملية صنع القرار في هذا المؤتمر يعني الاتفاق على الاراء وأهمية المصالح الوطنية لكل قوة، أدت إلى انهيار هذا النظام العالمي في حرب القرم.

تشكيل الإمبراطورية الألمانية حتى الحرب العالمية الأولى

أدت أهمية المصالح الوطنية إلى التركيز على مفهوم الأمة كعنصر أساسي من عناصر القوة في الدول الأوروبية. وقد سعت فرنسا وبريطانيا سابقًا إلى التطور والاندماج على المستوى الوطني، لكن بروسيا والأراضي المحتلة بشكل عام لا تزال كانت قائمة على العديد من الحكومات ولهذا لم تكن قادرة على تاسيس حكومة قوية وفي النهاية بجهود بسمارك، المستشار البروسي اسست الإمبراطورية الألمانية، وأصبحت الدولة الأكثر قوة عسكريًا وصناعيًا في أوروبا.

أدى هذا الموضوع بشكل مباشر إلى اضطراب بتوازن القوى في أوروبا، ونتيجة للعديد من الحروب، تم الاعتراف أخيرًا بالإمبراطورية الألمانية كقوة عظمى في أوروبا، مما أدى إلى تطوير المستعمرات الألمانية في إفريقيا، ومحاولة تشكيل تحالفات ضد السلطة. قاد صعود ألمانيا وكذلك ظهور مختلف الحركات الوطنية والثورية الوضع الذي أدى في النهاية إلى الحرب العالمية الأولى وثورة أكتوبر وتشكيل نظام عالمي جديد نظرا لتوازن القوى بين مختلف الفئات.

تشكيل عصبة الأمم حتى الحرب العالمية الثانية

يمكن اعتبار تشكيل عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ومؤتمر باريس أول محاولة شاملة لإنشاء هيئة دولية لحل النزاعات ومنع حروب أخرى.

وخلال هذه الفترة، استدعت أهمية القوة الاقتصادية الصناعية وتراجع أهمية الاستعمار كمكون مهم للقوة الاقتصادية والوطنية تدابير مثل الحد من القيود التجارية للنقل في البحر. من ناحية أخرى، تطور الوعي للناس بسبب أهمية التعليم والإعلام في العالم، من خلال هذا الامر تم التاكيد على أهمية الدبلوماسية وراء الكواليس في حل التوترات الاستعمارية، وكذلك السعي إلى التفوق العسكري من خلال سباق التسلح كضامن للاقتصاد. تطلبت هذه الشروط حل النزاعات المتعلقة بسلامة العملة، وحل قضية استقلال الأقليات العرقية في أوروبا والشرق الأوسط. ومع ذلك، فشلت عصبة الأمم كمؤسسة للتسوية السلمية للنزاعات الدولية في تحقيق أهدافها بسبب عدم توافقها مع التوازن الحقيقي للقوى في العالم، عدم انضمام الولايات المتحدة وطرد الاتحاد السوفيتي بسبب غزو فنلندا وعدم قدرة المجتمع على إجبار الإمبراطورية اليابانية على إخلاء منشوريا، وعدم مبالاة إيطاليا بغزو الحبشة، وعدم انضمام ألمانيا النازية في المؤتمر الأوروبي لنزع السلاح كل هذه الامور أظهرت عجز عصبة الامم وتحقيق اهدافها. كما انه أدت الخلافات في ذلك الوقت في النهاية إلى الحرب العالمية الثانية، وأدت الجهود اللاحقة لإنشاء هيئة شاملة مع أهداف عصبة الأمم وأدوات أكثر فاعلية إلى تشكيل نظام عالمي جديد.

تشكيل نظام ثنائي القطب حتى انهيار الاتحاد السوفيتي

من أهم عواقب الحرب العالمية الثانية نستطيع ان نشير الى : تشكيل الأمم المتحدة من خلال منح حق الفيتو للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، صلاحياتها الواسعة لممارسة القوة العسكرية وفرض عقوبات على دول غير الأعضاء الدائمين، إلغاء الاستعمار وأهمية مبدأ تقرير المصير. من ناحية أخرى، في مجال توازن القوى شهدنا تراجع قوة الدول الأوروبية وظهور الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين عسكريتين اقتصاديتين متفوقتين وجهودهما للسيطرة على العالم. خلال هذه الفترة، دخل قطبان مهمان، القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة والدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي، في منافسة واسعة النطاق عُرفت باسم الحرب الباردة وسباق التسلح النووي والانتشار التقليدي للقوات العسكرية إلى جانب الحرب النفسية وحملات الدعاية السياسية والتجسس والعقوبات الاقتصادية الواسعة والمنافسة في الرياضة والتكنولوجيا وكذلك المنافسة الفضائية كانت مجالات سعى الجانبان فيها إلى تأكيد لتفوقهما. من ناحية أخرى، رأينا المواجهة بين الديمقراطيات الشيوعية والليبرالية في الغرب وكذلك اقتصاد الدولة الشيوعية واقتصاد السوق الحر الغربي. وفي النهاية انتهى الصراع بين الاثنين بانهيار الاتحاد السوفيتي وانتصار الولايات المتحدة.

بشكل عام، يمكن القول أنه في كل هذه الفترة من صلح وستفاليا إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، اختلت موازنة القوى بسبب عوامل مختلفة، هذه العوامل هي عبارة عن الثورات الداخلية وسقوط السلالات وما إلى ذلك. مع هذا خلال هذه الفترة كانت القوة العسكرية أهم عامل في تحديد موقع القوى المختلفة في النظام العالمي. وبالتالي فقد شهدنا انهيار النظام القديم و ظهور النظام الجديد. مما أدى الى تطور العلم وتحوله إلى تقنيات عسكرية وتغييرات مستمرة في النظام العالمي. مع ظهور الجيوش الكبيرة والانتقال الكامل إلى عصر الإنتاج الصناعي، أصبحت القوة الاقتصادية الشاملة لكل دولة تحدد وضعها في النظام العالمي. اليوم، يمكن أن تساعد المؤشرات الاقتصادية والمالية المختلفة في تحديد اتجاه تغيير ميزان القوى.

من ناحية أخرى، تاريخيا، تعطلت موازنة القوى بشدة بسبب النموذج الأيديولوجي المتغير. لأن هذا النموذج يمكن أن يحدد شرعية الحكومة وأفعالها. حيث ان أدت الاختلافات بين الدول في العلاقات الدولية والحرب بينهما بسرعة إلى عداء أيديولوجي. يمكن رؤية هذا النموذج الأيديولوجي في الإصلاحات الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر والحروب الدينية التي ادت الى تقسيم أوروبا إلى بروتستانت وكاثوليك.

أثارت الثورة الفرنسية (أواخر القرن الثامن عشر) أزمة أيديولوجية جديدة ضعفت قدسية الملكية والأرستقراطية. بعد ربع قرن من الحروب التي لا نهاية لها سببت التحالفات، انتصار وسقوط إمبراطورية نابليون، واستعادة الأنظمة الملكية في انهيار قدسية الملكية والأرستقراطية. بدأ التحول الأيديولوجي الجديد بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة للأزمة العميقة للنظام العالمي الناتجة عن تشكيل عصبة الأمم، وأدى في النهاية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. بعد هذه الحرب، أصبحت الفجوة الأيديولوجية بين الاشتراكية والرأسمالية العامل الحاسم للنظام العالمي الجديد.

تاريخيًا، أي نظام عالمي مستقر (بمعناه الحديث) تم الاعتراف به ودعمه من قبل الفاعلين الرئيسيين، عادة ما يستمر ما بين ثلاثة وأربعة عقود أو أقل.

استمر النظام الذي كان موجودًا قبل الثورة الفرنسية (1789) أقل من 30 عامًا وتم إنشاؤه بعد حرب السنوات السبع (بعد 1763) وتم تدميره في 1790-1791. تم تدمير النظام الذي تم إنشاؤه بعد الحروب النابليونية ومؤتمر فيينا بسبب ثورات 1848-1849 وحرب القرم، وكان عمره أقل من 35 عامًا. بدأ النظام العالمي التالي في التبلور بعد ظهور الإمبراطورية الألمانية (1871) ، وازدهر في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر ودُمر في الحرب العالمية الأولى، لذلك استمر النظام العالمي الذي تم إنشاؤه بعد الحرب العالمية الثانية أقل من عقدين من عام 1945 واستمر حتى عام 1990 أي قبل 45 عاما .

نظام عالمي أحادي القطب من التكوين إلى ظهور علامات الانحدار

أدى انهيار الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي إلى تدمير النظام العالمي ثنائي القطب السابق وأدى إلى إنشاء عالم أحادي القطب. خلال هذه الفترة، كانت الأفكار حول النظام العالمي الجديد، التي ظهرت في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، تؤمن بالسيطرة الكاملة على الاقتصاد والمؤسسات والثقافة الأمريكية، أونوعاً بطريقة غربية.

ومع ذلك، على الرغم من تشكيل النظام أحادي القطب وتطويره خلال هذه الفترة، تغير التوازن العالمي مرة أخرى. كان هذا بسبب التطور غير المتكافئ للاقتصاد والتكنولوجيا في مختلف البلدان. على مدى العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، أثرت العولمة بشكل مستمر وكبير على التغيرات في النظام العالمي، مما أدى في النهاية إلى تغير ميزان القوة الاقتصادية إلى البلدان النامية. يمكن أن يكون أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو تراجع التصنيع في البلدان المتقدمة ونتيجة لذلك نقل جزء كبير من الإنتاج والاقتصاد والتكنولوجيا من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية. نتج هذا التحول تراجع في النمو الاقتصادي للدول الغربية، تلاه تقليص دورها في الساحة العالمية، بينما ازداد نفوذ الدول الأخرى.

خلال العقدين الماضيين منذ عام 1991، مع استمرار الضعف الأوروبي واستمرار الازدهار في اليابان، شهدنا ظهور عمالقة اقتصاديين في آسيا (الصين والهند) وكذلك ظهور عدد من القوى الإقليمية بما في ذلك المكسيك، ماليزيا ونيجيريا وتركيا وإيران وباكستان والتي تم تطويرها بأشكال مختلفة وفي المستقبل القريب ستكتسب مكانة رائدة في العالم بشكل عام ، أدى صعود اقتصاد الصين والهند وتقاسم مصالحهما مع القوى العسكرية مثل روسيا إلى تحدي النظام أحادي القطب في العالم اليوم.

/انتهى/

رمز الخبر 1923670

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 7 + 1 =