بيئة المقاومة تتعرض لمحاولات تشويه مُمنهجة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى

تتعرض بيئة المقاومة في لبنان لمحاولة تشويه هويّتها وعزلها وتغريبها منذ سنوات عديدة، بمختلف الطرق. هذا العمل الممنهج ضد بيئة المقاومة ليس مستجدا ولكنه يتخذ اليوم أشكالا أكثر عدوانية وأكثر وضوحا من أي وقت مضى.

وكالة مهر للأنباء - القسم الدولي: تاريخ ٢٥ أيار أصبح يعتبر من الأيام المجيدة للبنان وشعبه يوم دحر فيه المقاومون الإحتلال الإسرائيلي وعملاءه مذلولين، ٢٥ آيار عيد المقاومة و عيد الشهداء الذين كان همهم الأساسي والوحيد تحرير الارض وإستعادة الكرامة ، ٢٥ آيار يوم انتصار الحق على الباطل، ستبقى شعلة المقاومة مضيئة.

يوم الخامس والعشرين من أيار عام 2000 سيبقى محطة وطنية مضيئة في تاريخ لبنان، ومناسبة دائمة لاستحضار كل العناوين والثوابت التي زرعها الامام المغيب السيد موسى الصدر، وفي مقدمة هذه الثوابت العيش المشترك والسلم الاهلي اللذان مثلا ولا يزالان، افضل وجه من وجوه الحرب ضد الكيان الصهيوني الذي لا يزال يضع لبنان والمنطقة ضمن دائرة عدوانيته واستهدافاته على مختلف المستويات.

عيد المقاومة والتحرير وفي ظل رفع الكيان الصهيوني بكل مستوياته السياسية والامنية والعسكرية من وتيرة تهديداته واطماعه تجاه لبنان ارضاً ومياهاً وثروات طبيعية، فإن المقاومة نهجاً وسلوكاً وثقافة وسلاحاً لا تزال في هذه المرحلة، واكثر من اي وقت مضى، تمثل حاجة وضرورة وطنية لكل ابناء الوطن بالتكامل مع الجيش اللبناني والشعب والمقاومة من أجل الدفاع عن لبنان وصون سيادته وكبح جماح العدو الإسرائيلي.

وفي هذا الصدد أجرت مراسلة وكالة مهر للأنباء "وردة سعد" حواراً صحفياً مع الكاتبة والإعلامية "ليلى عماشا"، وأتى نص الحوار على الشكل التالي:

** كيف أحيا أهل المقاومة عيدهم هذا العام ؟ وكيف كان صدا هذا الإحياء ؟

كما رأيتم، على أرض الواقع وعلى منصات التواصل الإفتراضي والإعلام الرقمي، لم تمر أيام التحرير كأيام عادية. كلّ من شهد التحرير وعاشه أو عايشه شعر بأنّه شريك بالنصر ومعني بإحياء المناسبة وكلّ على طريقته.

بالإضافة طبعاً إلى الإحتفالات الرسمية التي أقيمت في المناطق ولا سيما الحدودية، والتي إستفزّت الصهاينة حدّ إطلاقهم القنابل المسيّلة للدموع على الحشد الذي إجتمع لإحياء المناسبة في بلدة عديسة. ناهيك عن الإحياء المركزي الذي أقامه حزب الله وتحدّث فيه الأمين على دمائنا وكراماتنا السيد حسن نصرالله.

يشعر أهل المقاومة أن هذه المناسبة مرتبطة مباشرة بهويتهم، بعلاقتهم بأرضهم وبقضيتهم. هم لا يحيونها بشكل فولكلوري أو على سبيل القيام بالواجب فقط. هي مناسبة يتم إحياؤها بفيض وافر من الحب، ومن الولاء للمقاومة، ومن العزّ المتجدّد..

ولعل الغضب الصهيوني الظاهر في رد فعله عند الحدود كما على المنابر المعادية للمقاومة في لبنان هو خير دليل على أهمية المواظبة على إحياء عيد المقاومة والتحرير لما له من أثر في تكريس ثقافة الإنتصار.

بالنتيجة نحن أبناء هذه البيئة المرتبطة بترابها والتي تستطيع أن تستشعر حكايات هذا التراب العزيز وما مرّ عليه وما رواه من دم وعرق وتعب.. نحن أبناء البيئة التي وهبها الله أن تكتحل بالعز وأن تقدم خيرة أبنائها شهداء، لا يمكننا مهما كانت الظروف أن نتخلى عن ذاكرتنا، عن حقيقتنا، عن روحنا التي تجلت في أيار ٢٠٠٠.

هذا التحرير هو أشبه بمولود عشنا مخاض ولادته، وشاهدناه يكبر ويشبّ ويمسي رجلاً مقاتلاً بعمر ٢٢ عاماً، رجلاً يؤكد أن "إزالة اسرائيل من الوجود" ليست مهمة مستحيلة، ويدعو الجميع إلى مشاهدتها وهي تندثر.. رجلاً فيه من سمات الشهداء كلّهم، فيه بأس الحاج عماد مغنية وعشق الحاج قاسم وصلابة السيد عباس وهيبة الحاج أبو مهدي المهندس.. رجلاً ينتمي إلى محور الشرف العظيم.

** الآن بعد مضي ٢٢ عاما على التحرير، كيف يُنظر إليه كحدث تاريخي وكمحطة انتصار، لا سيّما في ظلّ الهجمة العالمية على بيئة المقاومة في لبنان ؟

تتعرض بيئة المقاومة في لبنان لمحاولة تشويه هويّتها وعزلها وتغريبها منذ سنوات عديدة، بمختلف الطرق. هذا العمل الممنهج ضد بيئة المقاومة ليس مستجدا ولكنه يتخذ اليوم أشكالا أكثر عدوانية وأكثر وضوحا من أي وقت مضى.

تتعرض بيئة المقاومة في لبنان لمحاولة تشويه هويّتها وعزلها وتغريبها منذ سنوات عديدة، بمختلف الطرق. هذا العمل الممنهج ضد بيئة المقاومة ليس مستجدا ولكنه يتخذ اليوم أشكالا أكثر عدوانية وأكثر وضوحا من أي وقت مضى

ولا يقتصر هذا الأمر على التبخيس بعيد المقاومة والتحرير ولا على التوهين بهذا الإنجاز التاريخي، بل يتعداه إلى كل مناسبة وكل حدث وكل رمز يعني أهل المقاومة. ولهذا كلّه، نحن معنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى بإحياء مناسبة عيد المقاومة والتحرير ورواية حكاية الإحتلال الذي اندحر لا سيما للأجيال التي لم تعش هذا الحدث.

بعد مضي ٢٢ عاما نحن اليوم أكثر ارتباطاً بالمناسبة، أكثر التزاماً بقدسيتها وأكثر ايماناً برمزيتها. ويمكن إعتبار الإحياء على منصات التواصل والذي تواصل أياماً عديدة دليلاً حيّاً على إرتباط وجدان الناس بهذه المناسبة المليئة بالحكايات وبالمشاهد التي كلّما مرّ عليها الزمان تزداد توهّجاً وبريقاً.

فالهجمة العالمية على بيئة المقاومة في لبنان، والتي تعد جزءاً من الهجمة على كل محور المقاومة بلاداً وشعوباً ودولاً وبيئات إجتماعية. في لبنان لم يكن هناك إجماع على المقاومة في أي يوم من الأيام، وكان الفكر المهزوم يسوّق دائماً لفكرة أنّ العين لا تقاوم المخرز في سبيل توهين روح المقاومة.

تحرير عام ٢٠٠٠ أثبت أن العين تكسر المخرز وتؤسس لزواله، مما حتّم أن يقوم الأعداء وأعوانهم في الداخل بتكثيف محاولات التوهين تلك كي لا تتولّد في المنطقة ثقافة الإنتصار يعد أن ثبت بالتجربة أن بالإمكان تحقيقه.

بالمقابل، ثقافة الإنتصار هذه فرضت نفسها لا سيما بعد أن توالت الإنتصارات "وولّى زمن الهزائم"، ما دفع بالعدو إلى توظيف شراسته كلّها في سبيل كسر هذه الروح وهذه الثقافة، ومني بالخيبة في كلّ مرة، من حرب تموز ٢٠٠٦ إلى الحرب ضد التكفيريين. عملياً، أدخل إنتصار عام ٢٠٠٠ المتمثل بتحرير جنوب لبنان المنطقة كلها في زمن الإنتصارات ووضعها على سكة النصر المحتوم العظيم.

** بالعودة عبر الزمن إلى أيار 2000، أي درب سلكه التحرير في قلوبكم وأي وقع كان عليكم وأنتم الغائبون قسراً عن قراكم لسنوات عجاف ؟

الدرب إلى "الشريط" يومها لم تكن تلك الطريق المعبّدة التي يسلكها الناس كلّ إلى وجهته.. كان منطلقها في كلّ بيت، من أمام كل شاشة تلفاز تنقل مباشرة ما يجري جنوباً، وكيف الأرض بأذرع ناسها وبحمى رجال الله فيها تلفظ المحتلين، تطردهم، تنتزع من براثنهم ما سلبوه من روحها وترابها وتتحرّر .. وكانت وجهة كل المنطلقات الجنوب.. تلك البقعة التي صارت كل الجهات كيفما إستدارت القلوب..

وصلنا الخبر في بيتنا في الضاحية كما إلى كل البيوت وكل الأمكنة التي إحتوت أهل الشريط وأهل قرى التماس.. الخبر الذي تلقيناه بشهقة تلاها زفير من دمع وصرخات وقلوب تحاول شقّ الضلوع لتهرع قبل الجسد إلى "الضيعة".. إلى "عيترون"، ضيعة أمي، حيث بيت جدي.. وحيث لنا ذاكرات الطفولة كلّها..

كان المسير يومها مشهداً يحفر ذاته في صخر الذاكرة.. يصير زماناً منفصلاً عن سائر الأيام والأزمنة.. لم يسأل أحد أحداً "لوين"، كلّ السيارات تحولت إلى قافلة واحدة، ملأى بالوجوه المغتسلة بالدمع والفواحة بالضحكة.. "عالضيعة..". في خلدة، حيث محطة أهل الشريط في كل مرة تلاقوا كي يرافقوا جنازة إلى المعبر ويودعونها هناك ثم يعود معظمهم لعدم إمكانية دخولهم إلى الأرض المحتلة، التي تزف إلى حريتها الآن، صارت محطة يتبادل العابرون فيها صرخات الفرح.. "اي عالضيعة"..

** وأنتم تمرون على المعابر أو ما كان يعرف بالمعابر والحواجز القاتلة أي مشاهد إستذكرتموها وأي مشاعر إنتابتكم ؟

عندما مشينا.. وقد حملتنا الدروب نحو روحنا الحيّة هناك.. خلف المعبر.. خلف "بيتاحون" حيث مشهد مرور "الجلبوط" لا تفارق مخيّلتي كلّما قلت كلمة "معبر"...

بدا الطريق طويلا.. وكنا نستعجل الوصول إلى ضيعتنا، إلى ضمّات نشتاقها، إلى رائحة البيت الذي منذ سنين ما زرناه.. فالذهاب لم يكن خياراً محموداً، والتعرّض لما لا يمكن تخيّل حدوده من قِبل "جيش لحد" شكّل مانعا كبيرا لأي زيارة.

حين وصلنا إلى حيث كان المعبر، تحوّل الدمع الصامت إلى صرخات متقطعة: "ادخلوها بسلام آمنين".. ودخلنا. أثار العملاء لم تزل هنا.. مكتب التصاريح وغرف التفتيش لم تزل في أماكنها خالية من اللحديين.. أين هم؟ ليسوا بعيدين!... من لم يسلّم منهم نفسه وقف في طابور طويل يرتجي "الإسرائيلي" أن يفتح له الباب كي يفرّ إلى فلسطين.. وقفوا أذلاء هناك، وكان زعيمهم بدوره يرتجي من مشغلّيه تقدير خيانته واستقباله.. وكنا نعبر إلى القرى أعزَة.. يستقبلنا أهلها بنثر الأرزّ، بالورد وبالزغاريد.. وبالدمووووع، بالدموع التي كلّما مرّ الزّمان عليها إزدادت حضوراً وكثافة.. بالدموع التي خبأها أهل الجنوب سنينا في خوابي الصبر، ثم نثروها بكلّ ما فيهم من حبّ، وصارت حبّاً معتّقاً يلفّ كلّ من حضر..".

** أي لقاء جمعكم ببلدتكم المغيبة عنكم قسراً وقهراً ؟

حين دخلنا إلى عيترون، واجهنا للمرّة الأولى حقيقة أنّ بيت جدي خال منه، كمن أدركه الخبر للتوّ.. زرناه في ضريحه قبل الدخول إلى الدّار.. ما زال صوت جدّتي يومها وهي ترحّب بنا، كما رحّبت بمن سبقونا مع ساعات التحرير الأولى.. تخبرنا أنّها في فجر التحرير كانت قرب الصاج تخبز المرقوق..

سمعت صوت "زمامير" وبدون أن تفكر لحظة هرعت إلى الطريق وقلبها هتاف: تحررنا؟! دخلت القافلة الأولى إلى عيترون.. جدتي كما أهل القرية إستقبلت العائدين بالدمع، بالدعاء، بإنحناءة على الأرض تطبع فيها قبلة على جبين التراب وتحمد الله.. حمداً سيّالاً، حمداً ما كفّ برهة.

** ماذا يعني لكم هذا العيد المبارك والمجيد ؟

يوم التحرير.. هو الفرحة التي أكرمنا الله بأن نحياها فتصبح معيار الفرح بداخلنا.. كان الجميع فرحة واحدة، وصرخة واحدة، هي الصرخة التي أطلقها الشهيد "راني بزي" عند بوابة الخروج من المعتقل في ٢٤ أيار ٢٠٠٠.

ولعل الحكاية التي يمكن أن تروي التحرير بالشكل الأكثف، هي حكاية تحرير الأسرى في معتقل الخيام، وحين نتحدّث عن صرخة الشهيد "راني بزّي" في باحة المعتقل مردّداً "هذا وعد الله"، نحن نختصر كلّ المشاهد التي إنتزعت منا قلوبنا على هيئة دموع.. أصوات المعتقلين في الزنازين وصرخات الناس التي دخلت لخلع الأبواب، كانت وعد الله كما قال الشهيد راني الذي استشهد في تموز ٢٠٠٦، ليكون صورة عن الأرض المحرّرة التي لا تكف عن القتال لأن الهدف لم يكن التحرير، بل كان الوسيلة التي تؤدي حكمًا إلى الهدف: إزالة "اسرائيل" من الوجود.

مشاعر التحرير تعود إلى القلب في كلّ مرة يستعيد فيها المرء تلك الحكاية، يضع فيها يده على قلبه ويتذكر وجه راني بزي في بنت جبيل وهو الأسير المحرّر الذي خطب بالناس المجتمعين ويصرخون على وقع صرخاته ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، كنا جميعًا هناك نهتف معه، من البعيد ومن القريب فيما نرى كيف امسى الصهاينة وعملاؤهم ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.

/انتهى/

رمز الخبر 1924112

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 2 + 0 =