٠٣‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١:٢٨ م

لماذا ينبغي أن تُقلق حرب الأربعين يومًا أبوظبي؟

لماذا ينبغي أن تُقلق حرب الأربعين يومًا أبوظبي؟

لم تكن حرب الأربعين يومًا مجرد مواجهة عسكرية بين إيران وتحالف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بل كانت أيضًا مسرحًا لكشف الحقائق الخفية في المنطقة.

وكالة مهر للأنباء: فقد واجهت العديد من القوى الإقليمية التي سعت في السنوات الأخيرة إلى تقديم نفسها كقوى مؤثرة في غرب آسيا، حقائق جيوسياسية قاسية في هذا الاختبار الكبير. ومن بينها، تحتل الإمارات العربية المتحدة مكانة خاصة؛ فهي دولة سعت على مدى العقدين الماضيين إلى لعب دور يتجاوز وزنها الطبيعي في المعادلات الإقليمية، بالاعتماد على ثروتها الاقتصادية وعلاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن وتل أبيب.

في السنوات الأخيرة، تصور حكام أبوظبي أن بإمكانهم تعويض قيودهم الجيوسياسية والديموغرافية بالاعتماد على الدعم الخارجي. ولهذا السبب، تحولت السياسة الخارجية الإماراتية من نهج قائم على التعاون الإقليمي إلى المشاركة في المشاريع الأمنية والسياسية للقوى العابرة للأقاليم. ويمكن ملاحظة آثار هذه السياسة من ليبيا والسودان إلى اليمن والقرن الأفريقي. لكن حرب الأربعين يومًا أظهرت أن الاعتماد على جهات أجنبية لا يضمن بالضرورة أمنًا ونفوذًا دائمين.

كان من أهم دروس هذه الحرب أن القوى العظمى تدعم حلفاءها عندما تقتضي مصالحها ذلك، وفي اللحظات الحرجة، تكون أولويتها حماية مصالحها الخاصة بدلًا من ضمان أمن الشركاء الإقليميين. وقد أثبتت تجربة العقود الأخيرة في غرب آسيا هذه الحقيقة مرارًا وتكرارًا. فقد أظهرت الولايات المتحدة في مناسبات مختلفة استعدادها للتضحية حتى بأقرب حلفائها في سبيل التحولات الاستراتيجية والتطورات البيئية.

مع ذلك، يبدو أن بعض النخب السياسية في الإمارات العربية المتحدة لا تزال تعتقد أن قربها من واشنطن وتل أبيب يمنحها نوعًا من الحصانة الاستراتيجية. ويمكن تحليل الاتفاقيات الأمنية والتعاون الاستخباراتي وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني في هذا السياق. لكن حرب الأربعين يومًا أظهرت أن هذه الحسابات لا تتوافق مع واقع المنطقة.

خلال هذه الحرب، كان أحد الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني تغيير موازين القوى الإقليمية. اعتقدوا أن بإمكانهم، من خلال ممارسة ضغط عسكري واسع النطاق، إضعاف موقف إيران وفرض النظام الذي يرغبون فيه على المنطقة. كما ظنّ بعض الفاعلين الإقليميين أن انضمامهم إلى هذا المشروع سيمنحهم حصة أكبر من القوة والنفوذ. لكن النتيجة كانت مختلفة تمامًا.

أظهر فشل الأهداف المعلنة والخفية لهذه الحرب أن بنية القوى في المنطقة أكثر تعقيدًا بكثير من أن تُعاد صياغتها بعمليات عسكرية أو تحالفات أجنبية. وتكتسب هذه الحقيقة أهمية مضاعفة بالنسبة للإمارات، لأن جزءًا كبيرًا من سياستها الخارجية في السنوات الأخيرة استند إلى افتراض إمكانية تغيير التوازنات الإقليمية بدعم من جهات خارجية.

لكن للجغرافيا منطقها الخاص. تقع الإمارات في منطقة يعتمد أمنها، قبل كل شيء، على استقرار محيطها. فهي لا تمتلك عمقًا استراتيجيًا واسعًا، ولا عددًا كبيرًا من السكان، كما أن قوتها العسكرية لا تُضاهي قوة القوى الكبرى في المنطقة. ويستند جزء كبير من قوة الإمارات إلى اقتصادها وتجارتها واستثماراتها ودورها كمعبر. لذلك، فإن أي اضطراب واسع النطاق في المنطقة قد يؤثر على مصالح أبوظبي أكثر من العديد من الدول الأخرى.

لذا، فإن ربط مستقبل الدولة بمشاريع تُثير التوتر وتحالفات عسكرية أجنبية لا يتوافق مع مصالح الإمارات الوطنية على المدى البعيد. وقد أظهرت تجربة حرب الأربعين يومًا أن أي صراع واسع النطاق في المنطقة قد يؤثر سريعًا على الأمن الاقتصادي والطاقة والتجارة والاستثمار؛ وهي المجالات التي تُشكل الركائز الأساسية لقوة الإمارات.
ومن النقاط المهمة الأخرى أن حرب الأربعين يومًا أظهرت مجددًا أن القوة الحقيقية في غرب آسيا لا تنبع فقط من المعدات العسكرية المتطورة أو الدعم الخارجي. فالإرادة الوطنية، والقدرات المحلية، والتماسك الداخلي، والقدرة على مقاومة الضغوط الخارجية، لا تزال أهم مقومات القوة. وقد تم التشكيك في العديد من الحسابات التي كانت تستند إلى التفوق التكنولوجي أو دعم القوى العظمى خلال هذه الحرب.

بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، ينبغي اعتبار هذا الواقع بمثابة تحذير جاد. فالدولة التي تدين بجزء كبير من أمنها واستقرارها لبيئتها المحيطة لا يمكنها أن تمضي قدمًا على المدى الطويل بسياسات تصادمية. وكلما اتسعت الفجوة بين سياسات أبوظبي والواقع الجيوسياسي للمنطقة، زادت تكلفة هذه الفجوة.

في السنوات الأخيرة، ظهرت بوادر مراجعة لبعض مناهج السياسة الخارجية لدولة الإمارات. ويمكن تقييم الجهود المبذولة لخفض التوترات مع بعض دول المنطقة وتطوير العلاقات الاقتصادية مع جيرانها في هذا السياق. ومع ذلك، فقد أظهرت حرب الأربعين يومًا أن هذه العملية تتطلب مزيدًا من العمق والجدية.

لا يتحقق الأمن المستدام في الخليج الفارسي عبر التحالفات الخارجية، بل من خلال التعاون بين دول المنطقة. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن وجود قوى خارجية عادةً ما يُعقّد الأزمات بدلاً من تخفيف حدة التوترات. وكلما تمكنت دول المنطقة من إدارة خلافاتها عبر الحوار والتعاون، ازداد مستوى الاستقرار ووُفِّرت فرص اقتصادية أكبر.

من منظور استراتيجي، فإن أهم درس استخلصته الإمارات من حرب الأربعين يومًا هو أن الأمن لا يُشترى. فلا صفقة أسلحة، ولا اتفاقية أمنية، ولا دعم خارجي يُمكن أن يحل محل العلاقات المستقرة والبناءة مع الجيران. وستواجه الدول التي تُؤسس أمنها على توازنات مصطنعة نقاط ضعف خطيرة عند تغير الظروف الدولية.

اليوم، تواجه أبوظبي خيارًا مصيريًا. الخيار الأول هو الاستمرار في سياسات تُشركها في مشاريع عابرة للأقاليم، مما يجعلها دون قصد جزءًا من منافسات مكلفة. أما الخيار الثاني فهو التوجه نحو التعاون الإقليمي، واحترام الحقائق الجيوسياسية، والاستثمار في علاقات مستدامة مع الجيران.

أظهرت حرب الأربعين يومًا أن مستقبل غرب آسيا سيُحدده دول المنطقة، لا جهات خارجية. أي دولة تُدرك هذه الحقيقة مبكراً ستدفع أقل وتكتسب فرصاً أكبر للتنمية والاستقرار. ولعلّ هذه هي الرسالة الأهمّ لدولة الإمارات العربية المتحدة من هذه الحرب؛ وهي أن الاستقرار في المنطقة يتحقق من خلال التعاون والتعايش، لا من خلال الارتباط بمشاريع يُحدّد مصيرها في عواصم بعيدة.

إذا أخذ حكام أبوظبي هذه الرسالة على محمل الجد، فقد تُصبح حرب الأربعين يوماً نقطة انطلاق لمراجعة استراتيجية شاملة للسياسة الخارجية للبلاد؛ مراجعة لن تُفيد الإمارات فحسب، بل ستُعزّز استقرار وأمن المنطقة بأسرها.

رمز الخبر 1971308

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha