وکالة مهر للأنباء: ليست ذكرى استشهاد السيد الشهيد حسن نصر الله مناسبة لنتذكر سيرة رجل عظيم فحسب، بل هي أيضا مناسبة للتذكير بسيرة عصر جديد من عصور المقاومة الإنسانية والإسلامية في تاريخ هذه الأمة الممتد من عهد الرسالة إلى النصر الكامل على قوى الطغيان والاستكبار العالمي والاستعمار أنى كان، ولذلك كان الشهيد الكبير حلقة من الحلقات الكبرى في تاريخ المقاومة وواحدا من كوكبة طويلة من الأبطال الذين أناروا الطريق للأجيال، أمثال نور الدين قطز وصلاح الدين الأيوبي ويوسف بن تاشفين وآخرين، ممن وهبوا حياتهم من أجل بقاء الفكرة حية في قلوب الناس، ولكن الفسيلة التي زرعوها أنبتت ألف سنبلة في كل واحدة ألف حبة حنطة تطعم الجائعين إلى النصر.
لا بد من القول، ابتداء، إن الشهيد حسن نصر الله عنوان حقبة كاملة غيرت موازين القوة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، بل في العالم بأسره. فمواجهة المشروع الصهيوني والأمريكي هي مواجهة نظام عالمي، والحرب ضد هذا المشروع هي حرب عالمية لا حرب إقليمية وإن جرت وقائعها في منطقة الشرق الأوسط، إذ إن المنطقة هي بمثابة القلب في هذا المشروع، وهي العضو المحرك لكل المخططات العالمية التي تحف بالعالم العربي والإسلامي. ولكي نفهم هذه المسألة بوضوح علينا أن ننظر إلى حجم التداعي الدولي لتأييد الكيان الصهيوني، خاصة الأوروبي والأمريكي، وحجم المؤامرة التي تحاك ضد محور المقاومة، وحجم السلاح الذي ينهال على الكيان من كل قطر أوروبي ومن الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كان الشهيد العظيم في مركز هذه المواجهة منذ توليه قيادة حزب الله اللبناني عام 1992، وربما كان هذا التاريخ يعني الشيء الكثير على الصعيدين الإقليمي والعالمي. إنه تاريخ نهاية الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي وتوحد الألمانيتين وطي صفحة الحرب الباردة استراتيجيا، أما سياسيا وإيديولوجيا فهو تاريخ الحديث عن نهاية التاريخ وصدام الحضارات والهيمنة المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية على العالم المبشرة بسيطرة الليبرالية المتوحشة وعهد الحروب لتثبيت حوافر الإمبراطورية.
فهم السيد حسن الله هذه المعادلة الإقليمية والدولية، فكان عليه أن يوقف مشروع المقاومة على قدميه في منطقة محورية الحرب فيها قاعدة منذ الحرب العالمية الثانية وعصر النفط، وليس جديدا القول بأن حزب الله خلال هذه المرحلة شرع في قلب الموازين التي فرضت منذ تلك الحقبة، إذ ظل المشروع الصهيوني والأمريكي طيلة نهاية الأربعينات حتى بداية التسعينات من القرن الماضي دون جبهة حقيقية تتصدى له، وكان يجد الطريق ممهدا لتكريس هيمنته المطلقة، تلك الهيمنة التي توجت باتفاقية أوسلو عام 1993 كآخر مسمار في نعش القضية الفلسطينية.
جاء تولي الشهيد حسن قيادة حزب الله ـ إذن ـ في مرحلة حرجة، بين مؤتمر مدريد عام 1991 واتفاقية أوسلو، فكأنه كان على موعد مع التاريخ، ومن ثمة كان عليه اجتراح منهاج جديد للمقاومة يخلق توليفة مبدعة بين المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية. وفي الوقت الذي تخلى فيه الجميع عن الشعب الفلسطيني وأرادوا عزله إقليميا نصب الشهيد نفسه داعية الحق الفلسطيني ومجاهدا مسلما حمل على عاتقه نصرة شعب محاصر تاجرت به الأنظمة العربية وانساقت إلى التطبيع مع الكيان دفاعا على مصالحها الخاصة وأمنها الداخلي. فقد قلب "النظام الإقليمي العربي" ـ كما يطلقون عليه ـ المعادلة رأسا على عقب، بحيث قدم مشروع السلام والتسوية مع الكيان بوصفهما انتصارا للحق الفلسطيني، وتم تجريم المقاومة التي اُدخلت خانة "الإرهاب" بالتوصيف الصهيوـ أمريكي الذي وضع عليه "النظام العربي" ختمه فصار توصيفا عربيا.
في هذه الحقبة المريرة لكي تكون المقاومة مشروعا مضادا وقادرا على الصمود لا بد أن تكون حسن نصر الله، فقد كانت المقاومة والشهيد وجهين لعملة واحدة لا ينفكان ولا يرضيان انفصالا. وفي مايو من عام 2000 وجه حزب الله ضربة موجعة إلى الكيان الصهيوني في لبنان، حيث خرج يجر أقدامه خائبا، واستطاع الشهيد أن يصنع نصرا مبينا طار في أرجاء العالم العربي والإسلامي كواحد من الانتصارات الكبرى في تاريخ الإسلام الحديث منذ قيام الكيان على أرض فلسطين، فحتى تلك الفترة لم يكن أي جيش نظامي عربي قد أنجز انتصارا على الكيان الصهيوني منذ قيامه في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، على الرغم من كل الحروب التي دخلتها الأنظمة العربية مثنى وثلاثا ورباعا طيلة العقود الماضية تحت عناوين مختلفة، اشتراكية وقومية عربية ووطنية.
لقد أعاد ذلك الانتصار الساحق، الذي دفع الجيش الصهيوني إلى الانسحاب من جانب واحد من لبنان، الثقة إلى المواطن العربي والمسلم الذي اكتوى بالشعارات الرنانة حول "رمي إسرائيل في البحر" أو "إزالة آثار العدوان " أو "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" أو "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، ووجدت الشعوب العربية في حزب الله أيقونة جديدة للمقاومة التفت حولها، وصارت الأعلام الصفراء التي تتوسطها الآية الكريمة "فإن حزب الله هم الغالبون" ترفرف في الشوارع العربية، وأصبح حزب الله رمزا للمقاومة في نفس كل عربي ومسلم.
وحتى عشية طوفان الأقصى ليلة السابع من أكتوبر 2023 ظل حزب الله خلاصة المقاومة الفلسطينية والعربية، والنموذج الحقيقي للممانعة والصمود، وظل صوت الشهيد حسن نصر الله يزأر زئير الأسد وسط جبل من الصمت. فقد أحيى الشهيد فكرة المقاومة في العالم الإسلامي كخيار وحيد للتحرر من الاستعمار والإمبريالية وقوى الاستكبار العالمي، وحول حزب الله إلى قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب، وجعله معادلة استراتيجية صعبة في أي مشروع صهيوـ أمريكي لإعادة هندسة المنطقة. وفيما كانت المقاومة في الماضي تعني الرد على العدوان الصهيوني أصبحت مع الشهيد استراتيجية شاملة تتبنى عنصر المبادرة، لأن المبادرة هي العنصر الوحيد الذي يخلط الأوراق لدى العدو، بينما الاكتفاء بالرد معناه منح العدو فرصة الاستعداد وجعل المبادرة في يده.
لقد ألهم الشهيد حسن نصر الله المقاومة الفلسطينية هذا المبدأ الذي غير موازين القوة على الأرض، فجاءت عملية طوفان الأقصى من قلب هذه الاستراتيجية الجديدة التي جربها حزب الله في جنوب لبنان ونجحت مرتين عامي 2000 و 2006، ولم يكن مفاجئا أن يستهدف العدو الصهيوني والأمريكي هذا القائد الفذ في سياق المواجهة مع المقاومة الفلسطينية، فقد كان يدرك بأن الشهيد ليس مجرد شخص بل عنوان مشروع إقليمي، فكانت دماؤه الزكية هي الحبر الذي كتب به عصر جديد هو عصر المقاومة التي تتسيدها اليوم إيران ومحورها الإقليمي.

تعليقك