٣٠‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ٧:٤٨ م

انسحاب أمريكا من العراق بعد عشرين عاما؛ وبقاء نفوذ واشنطن الرئيسي في بغداد

انسحاب أمريكا من العراق بعد عشرين عاما؛ وبقاء نفوذ واشنطن الرئيسي في بغداد

لا يمكن قياس الانسحاب الأمريكي من العراق بمجرد عدد القوات والقواعد العسكرية. تُظهر التجربة العراقية أن القوة الأجنبية يمكن نقلها من شكل إلى آخر: من الوجود العسكري المباشر إلى التعاون الأمني، ومن القواعد العسكرية إلى الشبكات المالية، ومن الاحتلال للأرض إلى النفوذ الاقتصادي.

وكالة مهر للأنباء _ بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري، أنهت الولايات المتحدة رسميًا مهمتها العسكرية في العراق وسحبت آخر قواتها من القواعد المتبقية؛ وهو وجود بدأ مع غزو العراق عام 2003 واستمر بعد عودة القوات الأمريكية عام 2014، هذه المرة تحت مسمى محاربة داعش. وبموجب الاتفاق بين بغداد وواشنطن، تقع المسؤولية الرئيسية عن أمن العراق الآن على عاتق القوات العراقية، مع استمرار التعاون المحدود في التدريب والاستخبارات بين البلدين.

لكن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق يثير تساؤلًا جوهريًا: هل سحبت واشنطن أيضًا أدوات نفوذها مع انسحاب القوات الأمريكية؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعود إلى عام 2003؛ عندما بررت الولايات المتحدة وبريطانيا غزو العراق بسلسلة من الادعاءات. فقد زعمت إدارة جورج دبليو بوش أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنه مرتبط بالإرهاب، وأن الإطاحة بصدام حسين ضرورية للأمن الإقليمي وتحرير الشعب العراقي. مع ذلك، لم يُعثر على أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق، كما أن التقييمات الرسمية اللاحقة والتحقيقات المختلفة في الأساس الاستخباراتي لهذه الادعاءات قد وُوجهت بشك كبير.

وكانت نتائج الغزو بعيدة كل البعد عن الصورة التي رسمتها واشنطن لمستقبل العراق. فسقوط صدام لم يُنهِ العنف في العراق، بل دخل البلد في سنوات من الصراع والعنف الطائفي، ثم ظهور الجماعات الإرهابية. وبعد بضع سنوات، تمكن تنظيم داعش من السيطرة على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، وأعلن قيام "خلافة إسلامية".

في ظل هذه الظروف، أظهرت التجربة العراقية حقيقة مهمة حول التدخلات العسكرية الأجنبية: أن الإطاحة بحكومة لا تعني بالضرورة إرساء الاستقرار السياسي، وأن الفراغ السياسي الناجم عن التدخل الأجنبي قد يُمهد الطريق لأزمات جديدة.

لكن المشكلة في العراق لم تقتصر على الأمن فحسب، فبعد الاحتلال الأمريكي للبلاد، تأثرت بشدة الهياكل الاقتصادية والمالية للعراق. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الآلية التي أُنشئت بعد غزو عام 2003 لإدارة عائدات النفط العراقي. أصبح هذا الهيكل لاحقًا حساب البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ولا تزال عائدات النفط العراقية تُحفظ وتُدار من خلاله.

تتضح أهمية هذه المسألة عند النظر إلى اعتماد العراق الكبير على النفط. فبحسب بيانات البنك الدولي، سيُشكّل النفط نحو 88% من إيرادات الحكومة العراقية و91% من صادراتها السلعية في عام 2025. كما أفادت رويترز بأن حصة النفط من ميزانية العراق تبلغ نحو 90%، أي ما يُقارب 9 دولارات من كل 10 دولارات من إيرادات الحكومة العراقية.

وهنا نقطة مهمة: هذه الموارد ملك للعراق، والولايات المتحدة لا تملك عائدات النفط العراقية. إلا أن اعتماد جزء كبير من احتياطيات العراق وتداولاته على النظام المالي والدولار الأمريكي يمنح واشنطن نفوذًا كبيرًا لممارسة ضغوط اقتصادية، لا سيما في ظل ربط وصول البنوك والمؤسسات المالية إلى الدولار والشبكة المالية الدولية باللوائح والقيود الأمريكية. أكدت رويترز في تقريرها الأخير أن هذه الآلية نفسها منحت الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً على الشؤون الاقتصادية والسياسية في العراق.

ويتجلى ذلك بوضوح في أبريل/نيسان 2026، حيث أوقفت الولايات المتحدة، وفقاً لتقرير رويترز، تحويل شحنة نقدية من عائدات النفط العراقي إلى العراق بقيمة 500 مليون دولار تقريباً، وهي خطوة وصفتها مصادر عراقية بأنها جزء من ضغوط واشنطن على حكومة بغداد على خلفية أنشطة الجماعات المسلحة الموالية لإيران. وأشارت تقارير آنذاك إلى أن هذا التوقف أثر حتى على سوق الدولار وعلى مخاوف الشعب والناشطين الاقتصاديين في العراق.

كما أفادت رويترز أنه في عام 2020، بالتزامن مع طلب بغداد سحب القوات الأمريكية، ظهرت تقارير عن تهديد واشنطن بتقييد وصول العراق إلى موارده المالية. وفي عام 2025، تم إلغاء نظام المزاد اليومي للدولار العراقي، وهي خطوة قيّمتها رويترز بأنها جزء من ضغوط أمريكية للحد من تحويل الدولارات إلى شبكات مرتبطة بأطراف خاضعة للعقوبات، بما فيها إيران.

لذا، لا يمكن قياس الانسحاب الأمريكي من العراق بمجرد عدد القوات والقواعد العسكرية. تُظهر التجربة العراقية أن القوة الأجنبية يمكن نقلها من شكل إلى آخر: من الوجود العسكري المباشر إلى التعاون الأمني، ومن القواعد العسكرية إلى الشبكات المالية، ومن الاحتلال للأرض إلى النفوذ الاقتصادي.

لهذا السبب، يُعدّ أحد أهم الدروس المستفادة من العراق ضرورة الحدّ من الهشاشة الاقتصادية مع تعزيز الردع الأمني؛ ويشمل ذلك تنويع الشركاء التجاريين، وتطوير قنوات تحويل أموال مستقلة، وتقليل الاعتماد على البنى التحتية المالية الخاضعة لنفوذ القوى المنافسة، وزيادة مرونة عائدات التصدير.

لم يعد العراق اليوم مسرحًا لوجود عسكري أمريكي كبير؛ لكن تجربة العقدين الماضيين تُظهر أن الانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الاقتصادي. سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق؛ لكن الحالة العراقية تركت تساؤلاً أوسع نطاقًا للمنطقة: إذا تم إخلاء القاعدة العسكرية مع بقاء النفوذ المالي، فهل يُمكننا حقًا الحديث عن نهاية النفوذ؟

رمز الخبر 1974290

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha