وكالة مهر للأنباء: لقد تحولت المواجهة الأمريكية مع إيران، إضافة إلى الميدان العسكري، إلى ساحة للصراع حول رواية الحقائق. فواشنطن التي قدّمت لسنوات حضورها العسكري في غرب آسيا بوصفه مؤشرًا على التفوق والقدرة الردعية، تواجه الآن أسئلة جدية حول مدى هشاشة قواعدها وكلفة المواجهة مع إيران. وتصريحات كريس مورفي، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي الأمريكي، الأخيرة بشأن تقييد الوصول إلى المنشآت العسكرية الأمريكية في قطر، أعادت موضوع أبعاد الأضرار التي لحقت بالقوات الأمريكية في المنطقة إلى نقاش سياسي داخل الولايات المتحدة.
فقد أعلن مورفي أنه لم يحصل خلال رحلته إلى قطر على إذن بدخول المنشآت العسكرية التي استهدفتها الهجمات الإيرانية. كما انتقد تقييد وصول النواب إلى المعلومات الميدانية وإمكانية التحدث المباشر مع القادة والقوات الأمريكية. ولا تكمن أهمية هذه التصريحات فقط في احتجاج عضو مجلس شيوخ على قيود إدارية أو عسكرية؛ فالمسألة الأساسية هي: لماذا أصبحت أبعاد الأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية الأمريكية موضوعًا حساسًا؟ ولماذا يواجه نواب الشعب المنتخبون في هذا البلد عقبات أمام دراستها مباشرة؟
القواعد الأمريكية؛ من رمز للقوة إلى نقاط هشاشة
قامت الهندسة الأمنية الأمريكية في غرب آسيا على افتراض أن امتلاك قواعد متعددة وتجهيزات متطورة وشبكة من الحلفاء الإقليميين يتيح لواشنطن إمكانية ممارسة القوة وكبح التهديدات. وفي هذا الإطار، فإن القواعد الأمريكية ليست مجرد مراكز لانتشار القوات والتجهيزات؛ بل هي جزء من صورة الردع الأمريكي وأداة لطمأنة الشركاء الإقليميين لهذا البلد.
ومع ذلك، فكلما تعرضت هذه المنشآت لضربات مؤثرة، يصبح السؤال حول فاعلية مثل هذه الهندسة حتميًا. فوجود قواعد متعددة لا يعني بالضرورة تحصينها، وامتلاك تقنية متطورة لا يضمن أن جميع المراكز العسكرية غير عرضة للهجمات. والمسألة المهمة هي القدرة الفعلية لقوة ما على حماية بنيتها التحتية العسكرية في ظروف المواجهة؛ وهو معيار لا يُقاس بالدعاية العسكرية أو الإعلان عن كلفة الدفاع، بل يعتمد على الأداء الميداني.
ومن هذه الزاوية، فإن تضرر القواعد الأمريكية في المنطقة ليس مجرد مسألة فنية أو خسارة محدودة بعدة منشآت. فمثل هذه التطورات يمكن أن تؤثر في الحسابات العسكرية واعتبار الردع وتقييم الدول الأخرى للقدرة الفعلية لواشنطن. وإذا تحولت القواعد التي أُنشئت لاستعراض القوة وضمان الأمن إلى نقاط هشاشة في حد ذاتها، فإن ضرورة إعادة النظر في الافتراضات السابقة حول التفوق العسكري الأمريكي ستطرح أكثر من أي وقت مضى.
الإخفاء وأزمة الثقة العامة
تكتسب تصريحات كريس مورفي أهمية من زاوية أخرى أيضًا: طريقة إدارة المعلومات حول الأضرار العسكرية. ففي النظام السياسي الأمريكي، يتحمل الكونغرس مسؤولية الإشراف على أداء الحكومة ودراسة طريقة استخدام الموارد العامة. ولذلك، فإن تقييد إمكانية وصول النواب إلى المعلومات المتعلقة بأداء القوات العسكرية يطرح أسئلة حول الشفافية والمحاسبة وحدود الإشراف المدني على البنية العسكرية.
وبالطبع، قد يكون لتقييد الوصول إلى بعض المنشآت العسكرية أسباب أمنية؛ لكن عندما يتعلق الأمر بدراسة أضرار مواجهة مهمة، فإن تفسير سبب هذه القيود يكتسب أهمية مضاعفة. فالحكومة لا يمكنها من جهة تبرير الكلفة الباهظة للحضور العسكري في المنطقة بضرورة حماية الأمن، ومن جهة أخرى تقليص المحاسبة حول نتائج هذا الحضور وأضراره المحتملة إلى الحد الأدنى.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يتحول إخفاء المعلومات إلى مسألة سياسية. فالرأي العام الأمريكي له الحق في أن يعرف كيف أُنفقت الموارد المالية للبلاد، وما المخاطر التي تواجهها القوات المنتشرة خارج الحدود، وإلى أي مدى حققت السياسات العسكرية للحكومة الأهداف المعلنة. وإذا اتسعت المسافة بين الرواية الرسمية للحكومة والأسئلة المطروحة من قبل نواب الكونغرس، فإن الثقة العامة قد تتأثر أيضًا.
ولذلك، يجب اعتبار تصريحات مورفي مؤشرًا على اتساع الصراع حول الرواية الرسمية لواشنطن عن المواجهة مع إيران؛ صراع قد يتجاوز نطاقه تقييم الأضرار العسكرية ليصبح نقاشًا حول الكلفة الاستراتيجية للسياسة الأمريكية في المنطقة.
الكلفة الاستراتيجية تتجاوز الخسارة العسكرية
لا تقتصر تبعات هشاشة القواعد الأمريكية على كلفة إصلاح التجهيزات أو استبدال إمكانات محدودة. فالانتشار العسكري في دول المنطقة تكون له قيمة استراتيجية لواشنطن عندما يتمكن من زيادة القدرة العملياتية الأمريكية ومن طمأنة حلفاء هذا البلد إلى أن الحضور العسكري للولايات المتحدة يؤدي إلى تعزيز أمنهم.
لكن إذا تحولت هذه القواعد نفسها في ظروف المواجهة إلى أهداف هشة، فإن تقييم الدول المضيفة لكلفة هذا التعاون ومنافعه قد يتغير. وعلى حكومات المنطقة أن توازن بين منافع التعاون الأمني مع أمريكا والمخاطر التي يمكن أن تنشأ عن وقوع المنشآت العسكرية في سياق مواجهة إقليمية. ولهذا السبب، فإن أي شك حول قدرة أمريكا على حماية قواتها وبنيتها التحتية يمكن أن تكون له تبعات تتجاوز الميدان العسكري.
وفي هذا الإطار، فإن قدرة إيران على توجيه ضربة للمنشآت العسكرية الأمريكية، بصرف النظر عن التقييم النهائي لحجم الأضرار، تحمل رسالة استراتيجية واضحة: إن الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة لا يعني التمتع بأمن مطلق. وهذه الحقيقة يمكن أن تؤثر في حسابات واشنطن وشركائها الإقليميين وتطرح أسئلة جديدة حول مدى موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية.
فشل رواية التفوق المطلق الأمريكي
من أهم أدوات القوى الكبرى قدرتها على تشكيل إدراك الآخرين لقوتها. فقد سعت أمريكا على مدى عقود إلى تقديم تفوقها العسكري بوصفه حقيقة راسخة، وإظهار حضور قواتها في مناطق مختلفة من العالم بوصفه ضامنًا للنظام والأمن. ومع ذلك، فإن اعتبار هذه الصورة لا يعتمد فقط على عدد التجهيزات واتساع القواعد؛ بل يعتمد أيضًا على مدى نجاح أمريكا في حماية قواتها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
لقد أبرزت المواجهة مع إيران هذا السؤال: هل يمكن للتفوق التسليحي واتساع الحضور العسكري وحدهما منع هشاشة القوات والمنشآت الأمريكية؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فعلى واشنطن أن تواجه واقعًا أكثر تعقيدًا من الصورة التي تقدمها عن قوتها. وفي هذا الوضع، فإن تقييد وصول نواب الكونغرس إلى مواقع المنشآت المتضررة لا يمكن أن يزيل بحد ذاته الأسئلة المتعلقة بالأداء العسكري الأمريكي.
وما يهم في النهاية ليس فقط تصريحات عضو مجلس شيوخ ولا مقدار الأضرار التي لحقت بعدة قواعد، بل تبعات هذه التطورات على الاعتبار الاستراتيجي للولايات المتحدة. فأمريكا لا يمكنها أن تتنصل إلى الأبد، بالاعتماد على الرواية الرسمية، من الأسئلة المتعلقة بقدرتها الدفاعية. وكلما اتسعت المسافة بين ادعاء التفوق المطلق وحقائق الميدان، زادت ضرورة المحاسبة.
لقد أظهرت المواجهة مع إيران أن القوة العسكرية الأمريكية، خلافًا للصورة التي تقدمها واشنطن عنها، ليست بلا حدود وهشاشة. والسؤال الأساسي الآن هو: إلى أي مدى تستعد الحكومة الأمريكية للشفافية مع الرأي العام ونواب الكونغرس بشأن كلفة هذه المواجهة؟ وإذا لم تُدرس الأضرار التي وقعت وتبعاتها الاستراتيجية بشكل صحيح، فلن تكون المسألة مجرد إخفاء للمعلومات العسكرية؛ بل سيتعرض اعتبار مزاعم واشنطن حول قدرتها الردعية وضمان الأمن في غرب آسيا للتشكيك أكثر من أي وقت مضى.
/انتهى/
تعليقك