٠٣‏/١١‏/٢٠٢٦، ١١:٤١ ص

إخفاق استراتيجية الضغط الممتدة لنحو 50 عاماً ضد إيران؛ من الحصار السياسي إلى ترسيخ القوة الوطنية

إخفاق استراتيجية الضغط الممتدة لنحو 50 عاماً ضد إيران؛ من الحصار السياسي إلى ترسيخ القوة الوطنية

استمرت استراتيجية الضغط الأقصى ضد إيران على مدى نحو خمسة عقود، بهدف إضعاف بنيتها السياسية واستنزاف قدراتها الاقتصادية وتغيير سلوكها الإقليمي والدولي. غير أن استمرار الحياة السياسية في إيران واحتفاظها بمكانتها في المعادلات الإقليمية يظهران أن هذه الاستراتيجية واجهت إخفاقاً كبيراً، على الأقل في تحقيق

وكالة مهر للأنباء: في هذا السياق، أشار ألون مزراحي، الكاتب والمحلل الإسرائيلي، في تقييم لافت للوضع الإيراني، إلى قدرة هذا البلد الاستثنائية على تحمل الضغوط الخارجية والحفاظ على بنيته السياسية والوطنية. وتكمن أهمية هذه التصريحات في أنها تقدم صورة مغايرة عن إيران مقارنة بالروايات الشائعة في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية.

وكتب مزراحي، مشيراً إلى الضغوط الدولية المتواصلة على إيران: «تخيلوا فقط حجم الضغط النفسي الهائل الذي يواجهه قادة إيران؛ إذ يتعين عليهم إدارة بلد، في حين يعمل تحالف دولي على مدار الساعة للإضرار بهم وتدمير بلدهم وتشويه صورة إيران وإفقار شعبها».

وأضاف، في إشارة إلى ما يقرب من خمسة عقود من العقوبات والتدخلات الخارجية والتخريب والضغوط السياسية والاقتصادية المفروضة على إيران: «تعيش إيران في مثل هذه الظروف منذ نحو 50 عاماً، ولكن انظروا إلى ما بنته وما زالت تحافظ عليه! إنه أمر مذهل حقاً».

ويرى المحلل الإسرائيلي أيضاً أن استمرار إيران في البقاء والحفاظ على إنجازاتها في ظل هذه الظروف لم يكن ممكناً من دون الإيمان والالتزام والإرادة السياسية. بل إنه ينظر إلى مستقبل إيران بتفاؤل يتجاوز وضعها الراهن، ويكتب أن إيران، بعد تجاوز أزماتها الحالية، يمكن أن تتحول إلى واحدة من أبرز الوجهات العالمية في مجالات الفن والفلسفة والثقافة، وأن تحتل موقعاً محورياً في عالم ما بعد الاستعمار.

وعلى الرغم من أن هذه التصريحات جاءت بلغة تنطوي على الإشادة، فإنها تحمل دلالة أكثر أهمية، تتمثل في الفجوة بين الأهداف المعلنة لسياسة الضغط ضد إيران والنتائج الفعلية التي حققتها.

الضغط الأقصى والفجوة بين الهدف والنتيجة

منذ انتصار الثورة الإسلامية، ظل احتواء قوة إيران أحد المحاور الثابتة في السياسة الخارجية الأمريكية وسياسات بعض حلفائها. وخلال هذه الفترة، استُخدمت أدوات متعددة لتقييد قدرات إيران، بدءاً من العقوبات الاقتصادية والمصرفية والقيود التجارية، وصولاً إلى الضغوط الدبلوماسية والعمليات الاستخباراتية وأعمال التخريب ومحاولات فرض العزلة الدولية.

واستند المنطق الأساسي لهذه السياسة إلى افتراض أن الزيادة المستمرة في التكاليف الاقتصادية والسياسية ستؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة شؤونها، وستدفع إيران إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي أو التراجع عن العناصر الأساسية لقوتها.

غير أن تجربة العقود الماضية أظهرت أن هناك فرقاً جوهرياً بين تحميل دولة ما تكاليف باهظة وإجبارها على تغيير سلوكها. ولا شك في أن العقوبات ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني، كما تكبد الشعب الإيراني بسببها تكاليف باهظة، لكنها لم تنجح في إخراج إيران من المعادلات الإقليمية والدولية.

وفي الواقع، تتمثل إحدى المفارقات الرئيسية لسياسة الضغط ضد إيران في الفجوة بين حجم الضغوط المفروضة والنتائج السياسية المرجوة. فالسياسة التي كان من المفترض أن تؤدي إلى إضعاف إيران بصورة مستدامة، لم تتمكن من القضاء على قدراتها الأساسية.

الصمود؛ عنصر يتجاوز القوة العسكرية

من النقاط اللافتة في تحليل مزراحي تأكيده قدرة إيران على الحفاظ على بنيتها السياسية والوطنية في ظل الضغوط المتواصلة. وهو يعزو هذه القدرة إلى الإيمان والالتزام والإرادة السياسية، وهي عناصر لا تحظى أحياناً في حسابات القوة الوطنية للدول بالاهتمام نفسه الذي تحظى به المؤشرات الاقتصادية والعسكرية.

فلا تُقاس قوة الدولة فقط بحجم الناتج المحلي الإجمالي أو المعدات العسكرية أو حجم التجارة الخارجية، بل إن القدرة على الحفاظ على التماسك المؤسسي واستمرارية صنع القرار وإدارة الأزمات وصون الاستقلال السياسي، تُعد أيضاً من العناصر المهمة للقوة الوطنية.

ومن هذا المنظور، تظهر التجربة الإيرانية أن الصمود السياسي والمؤسسي يمكن أن يؤدي دوراً حاسماً في مواجهة الضغوط الخارجية.

إيران وفرص النظام العالمي الجديد

يتناول جانب آخر من تصريحات مزراحي مستقبل إيران، إذ يرى أن هذا البلد، بعد تجاوز أزماته الراهنة، يمكن أن يصبح إحدى أبرز الوجهات العالمية في مجالات الفن والفلسفة والثقافة، وأن يؤدي دوراً محورياً في عالم ما بعد الاستعمار.

ويشير هذا التوقع إلى إحدى القدرات المهمة في السياسة الخارجية الإيرانية، وهي امتلاكها إرثاً حضارياً وموقعاً جيوسياسياً ورصيداً ثقافياً وطاقات بشرية يمكن أن تسهم في تعزيز مكانة البلاد على الساحة الدولية.

وفي ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها النظام الدولي، وتطلع العديد من الدول إلى تقليص اعتمادها على هياكل القوة التقليدية، تستطيع إيران الاستفادة من هذه الفرصة لتوسيع علاقاتها مع الأطراف المستقلة وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نفوذ دولي مستدام يتطلب التخطيط والدبلوماسية النشطة والتنمية الاقتصادية وتقديم صورة جاذبة وموثوقة عن إيران.

من مقاومة الضغوط إلى ترسيخ القوة الوطنية

يمكن استخلاص مما سبق أن تقييم مكانة إيران استناداً حصراً إلى مشكلاتها الاقتصادية والضغوط الخارجية يقدم صورة ناقصة عن واقع قوتها. فعلى الرغم من ما يقرب من خمسة عقود من الضغوط، لا تزال إيران أحد الأطراف المهمة في المعادلات الإقليمية والدولية، وأصبح إخراجها من هذه المعادلات هدفاً بعيد المنال بالنسبة إلى واضعي سياسات احتوائها.

ومع ذلك، فإن أهم فرصة أمام إيران تتمثل في تحويل قدراتها على المقاومة والصمود إلى أرضية لتحقيق قفزة اقتصادية وتطوير علمي وتعزيز القوة الوطنية وتوسيع النفوذ الثقافي.

وفي نهاية المطاف، يتضح إخفاق الاستراتيجية عندما تعجز عن تحقيق أهدافها الأساسية. وإذا كان الهدف من الضغوط المفروضة على إيران طوال العقود الماضية هو تغيير مكانتها بصورة جذرية وإخراجها من معادلات القوة، فإن استمرار دورها الفاعل يدل على إخفاق هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها الرئيسية.

وتتمثل القضية الأهم الآن في تجاوز مرحلة الاكتفاء بمقاومة الضغوط، والعمل على تحويل هذه القدرة إلى قوة مستدامة ومؤثرة في النظام العالمي الآخذ بالتشكل.

انتهى/

رمز الخبر 1975221

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha