السعودية تتوجه نحو حرب اهلية

كتبت الخبيرة في الشؤون السياسة الدكتورة سهام بنت محمد بن عزوز مقالا ًلوكالة مهر للأنباء اعتبرت فيه ان استراتيجية حافة الهاوية للمملكة العربية السعودية وتدخلها السياسي الباهظ في الشرق الأوسط مؤشرات سلبية تطارد مرة أخرى مملكة الصحراء.

وكالة مهر للأنباء- د. سهام بنت محمد بن عزوز: بعد عقود لعبت خلالها السعودية دور الوسيط بين الدول الأجنبية، ووضعت نفسها كقوة إقليمية، اضافة الي سياستها في التدخل في شؤون الدول المجاورة ودعم الارهاب... يبدو اليوم أن مشاكل البلاد قد تفاقمت، ويمكن أن تهدد بإغراقها في حالة من الفوضى. فعدم الرضا المتزايد  بسبب جهود التقشف، و المشاكل الاقتصادية المتعلقة بتذبذب أسعار النفط وعلامات الخلاف الملكي التاريخي حول خليفة الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود كل هذه الاسباب وغيرها تعني أن المغامرات الخارجية السعودية  هي بمثابة الإعداد لعاصفة مثالية لنزاع أهلي والتي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ويأتي هذا الاضطراب في ظل ارتفاع اسهم دول أخرى  استراتيجيا مثل إيران وتركيا اللتين تضعان أنفسهما كمنافسين محتملين لقيادة العالم الاسلامي الفعلي.

المملكة العربية السعودية تشهد مؤشرات متزايدة من عدم الاستقرار

شهدت المملكة العربية السعودية عددا من المشاكل التي ساهمت وستساهم اكثر في زعزعة الاستقرار الداخلي. في أبريل 2017، ذكرت بلومبرج أن الملك سلمان أجبر على استعادة العلاوات والبدلات لموظفي الدولة، والعودة ايضا عن جهود الإصلاح في برامج التقشف في المملكة. وتصر الحكومة السعودية على أن القرار يعود إلى "الارتفاع في الإيرادات مقارنة بالتوقعات" على الرغم من  أن المراقبين سجلوا في شهر اذار-مارس أن احتياطي النقد الأجنبي للمملكة العربية السعودية انخفض في حين أن ثلث دول مجلس التعاون الخليجي بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت لاحظوا انخفاضا كبيرا في ديونهم الائتمانية مع ظهور الخلاف  بشكل متزايد على سياسة خارجية مشتركة في مواجهة  إيران.

انّ المشاكل المالية المتزايدة للمملكة مرتبطة جزئيا بانخفاض أسعار النفط. حيث أشارت "الاندبندنت" في يناير كانون الثاني عام 2016، الى أن الانخفاض في أسعار النفط من شأنه أن يقوض برامج الإنفاق في المملكة العربية السعودية، وثلث الشباب في اعمار 15-24 سنة في البلاد  لا عمل لديهم. وترى مجلة "علوم هندسة البترول" أن المملكة العربية السعودية سوف يصل إلى ذروته في إنتاج النفط بحلول عام 2028، ولكن هذا يمكن أن يكون تكهن لا يصدق. و لقد نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" في وقت سابق وعن  خبراء امريكيين أن صافي صادرات النفط السعودي بدأ في الانخفاض في عام 2006، والاستمرار في الانخفاض بنسبة 1.4٪ سنويا من عام 2005 إلى عام 2015. وتقدر "سيتي جروب" في الولايات المتحدة نفاد النفط للتصدير بحلول عام 2030. يعني باختصار  نهاية البقرة الحلوب السعودية"  ومن المرجح أن يسبب هذا  مشاكل في بلد  هو المتهم بادارة "مؤسسة اجرامية متطورة" .

زيادة المؤشرات عن نشوب صراع داخلي في المملكة العربية السعودية

هناك عدد من مؤشرات تدل على أن العائلة المالكة في المملكة العربية السعودية تعيش العديد من الصراعات الداخلية بسبب سياسات الملك سلمان التي ادت الى حدوث اضطراب كبير في المملكة من خلال اتخاذ خطوة مثيرة للجدل وهي مراجعة قواعد الخلافة في المملكة العربية السعودية وذلك بتعيين نجله محمد بن سلمان ولياً للعهد. هذه الحركة خطيرة لأنها تسبب الانقسام في العائلة المالكة وأشارت في هذا الصدد مجلة طفورين بوليسي" الى أن قوات الأمن في المملكة العربية السعودية ليست تحت سيطرة قائد واحد، وهو ما يعني أن الجيش يتعرض لخطر الكسر والانقسام في حال نشوب صراع داخلي.

في عام 2015، تحدثت "الاندبندنت" مع احد الامراء السعوديين والذي كشف أن ثمانية من أشقاء سلمان كانوا غير راضين عن  قيادته ويخططون لسحب  القيادة منه لمصلحة  وزير الداخلية السابق، الأمير أحمد بن عبد العزيز. وكشفت "ان بي سي نيوز" أن تعزيز موقع نجل سلمان لولاية للعهد أغضب الأمير محمد بن نايف، الذي كان سابقا في ترتيب ولاية العرش وكما هو معروف عن موقفه المتشدد تجاه إيران. يوم 28 يونيو عام 2017، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن نايف قد منع من مغادرة المملكة العربية السعودية وانه محاصر في قصره في جدة، وتم تعويض حراسه بآخرين  موالين لمحمد بن سلمان.

نايف يحكم المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، التي توصف بأنها واحدة من المحافظات الأكثر احتمالا أن تشكل ارضية خصبة للتمرد في أي حرب اهلية بسبب وجود عدد كبير من المسلمين الشيعة في المنطقة. ويعتبر عموما واحدا من الدعاة الرئيسيين لتنفيذ حكم الاعدام  في عام 2016  في حق الشيخ نمر النمر، وهي الخطوة التي تسببت في غضب شديد في اقطار الامة الاسلامية. ولدى الامير نايف روابط تاريخية مع الجماعات المتمردة التي تستخدمها المملكة العربية السعودية كأداة للسياسة الخارجية. وكان والده، الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود وزير الداخلية ومراقبة أجهزة الاستخبارات الداخلية في المملكة العربية السعودية، كذلك الشرطة، والقوات الخاصة، ووكالة مكافحة المخدرات وقوات المجاهدين.

استخدم الملك سلمان الحرب في اليمن لمواجهة النخب غير الراضية مما تسبب في ما وصفته واشنطن بوست بمثابة موجة من المشاعر القومية بين المواطنين. خدم القرار أيضا محاولة اتخاذ تدابير استباقية ضد الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن ومنع زعزعة الاستقرار في الربيع العربي حسب تقديرات النظام السعودي. ولكن وإن قدم هذا التدخل  في اليمن إلى المملكة العربية السعودية فوائد على المدى القصير، فقد ساهم أيضا في زيادة كسر الشرق الأوسط وهو اليوم يضعف المملكة العربية السعودية التي كانت الى وقت قريب  القوة المهيمنة في المنطقة.

التغيرات الجيوسياسية تزيد من احتمال الصراع

ليس التدخل في  اليمن السبب الوحيد الذي يثير القلق للسعوديين فالتدخل في شؤون دول اخرى في المنطقة لسنوات كان يعني أن المملكة تدير الشؤون الخارجية، من أجل تجنب زعزعة الاستقرار الداخلي وخلق التوازن في هذه الحالة يعطيها الحق في ادارة الاوراق  الإقليمية. وتظهر بيانات من البرقيات الدبلوماسية الصادرة عن ويكيليكس ومن وزارة خارجية المملكة العربية السعودية أن المسؤولين السعوديين يتعهدون بمواصلة تدمير النظام السوري خوفاً من أن حكومة الأسد تشارك في الانتقام في حرب أهلية مدمرة للمملكة. لابد من الاشارة هنا الى ان السعودية ساعدت في تأجيج الحرب داخل سوريا من خلال دعم الجماعات الإرهابية الإسلامية. وتشير البرقيات من وزارة الخارجية التي نشرها موقع ويكيليكس أن المملكة العربية السعودية تعتبر أكبر ممول للجماعات الإرهابية في جميع أنحاء العالم وعلى غرار تدخلاتها في مختلف الدول ، يمثل الإرهاب أداة للسياسة الخارجية السعودية تستخدمه لتوجيه أفضل للطاقة التدميرية في المنطقة.

منذ وقت طويل بدأت تظهر العديد من المخاوف وقوات الأمن السعودية تواجه باستمرار مشاكل تسلل الجماعات الإرهابية الي بعض تشكيلاتها او على الاقل الذين يحملون فكر بعض الجماعات الارهابية التي لا تتوافق مع سياسة المملكة وان كانت داعمة لجزء كبير منهم. في عام 2001، لوحظ القلق المتزايد من العائلة المالكة حول الزيادة في المتعاطفين مع الارهابيين في الجيش بسبب مخاوف من ان بعض الجماعات الارهابية ليست ودية مع المملكة بل اكثر من ذلك فتنظيم داعش مثلا ساهم في عمليات ارهابية ضد المملكة بما في ذلك التفجيرات الانتحارية التي استهدفت المدينة المنورة و المسجد الحرام في مكة المكرمة.

تقليديا، تم تقسيم السلطة في الشرق الأوسط بين الحكومتين الإسرائيلية والسعودية. ولكن يمكن لهذا النظام الإقليمي ان يتغير ، نتيجة للمزاج  الاستراتيجي المتقلب لدى الولايات المتحدة الامريكية ووجود لاعبين اخرين في منطقة  الشرق الأوسط . في مارس 2016، أشار جوليان أسانج في" النيو  انترناسيوناليست " ان  احد الاستراتيجيين الأميركيين  و هو  جون برينان اعتبر ان العلاقة بين اسرائيل والسعودية عقبة أمام المصالح الاستراتيجية الأوسع للولايات المتحدة، وخاصة فيما يتعلق بإيران.

يلعب هذا التغيير في السياسة في الوقت الراهن مع الأزمة في قطر. لقد وضعت قطر تاريخيا كمركز دبلوماسي في الشرق الأوسط، تبقي على علاقات ودية مع إيران ومع العديد من الجماعات المتمردة مثل حركة طالبان لتكون في أي لحظة مكان للتفاوض. كشفت رسائل البريد لالكتروني لجون بودستا ان قطر دعمت الجماعات الارهابية مثل تنظيم داعش الي جانب السعودية و لكنها ايضا دعمت مجموعات ارهابية اخرى مثل القاعدة والنصرة ، حركة "طالبان" و "الاخوان المسلمين" وحماس" بنفس الوقت . علاوة على ذلك، تسبب أيضا قناة الجزيرة القطرية في العديد من الاستفزازات للمملكة السعودية من خلال كشف  بعض المشاكل غير المعلن عنها و غير معترف بها في الشرق الاوسط وهذا لا يخفي ابدا التنافس الشديد بين دولة قطر و السعودية و سعي قطر للفوز بالريادة في المنطقة.

لقد كشفت وكالة "ان بي ار" لأمريكية ان المنافسة بين السعودية وقطر ظهرت في ثورات الربيع العربي وخاصة في مصر حيث تدخل الطرفان لمؤازرة تيارين مختلفين في البلاد دون مراعاة ما لذلك التدخل من نتائج وخيمة ولابد من الاشارة الي ان الصراع مع قطر يخلق خطرا حقيقيا جدا يمكن أن يكون سببا في انتشار  الأعمال العدائية في المملكة العربية السعودية، نظرا لدعم الطرفين للجماعات الإرهابية.

هذا الصراع اليوم  كشف ايضا عن ظهور نظام جديد في الشرق الأوسط والدول التي كانت تدافع عن العلاقة بين السعودية واسرائيل ترغب في اعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

فالمملكة العربية السعودية مدعومة من مصر، والإمارات العربية المتحدة والبحرين واليمن وجزر المالديف. اما قطر فمدعومة من قبل خصوم السعودية في المنطقة وهما إيران وتركيا. واصلت تركيا في تعزيز دورها في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، وتنظر إليها الولايات المتحدة كممثل مناسب لتحقيق التوازن مع النفوذ السعودي في دول مثل باكستان. اليوم تركيا وإيران تمثلان التحدي في وجه المملكة العربية السعودية فلقد نشرت تركيا قوات في قطر اما الجمهورية الاسلامية في ايران فه  تدعم هذه الدولة الصغير المطلة على الخليج الفارسي بالمساعدات الغذائية لفك الحصار الاقتصادي عليها . إذا استمرت كل من تركيا و الجمهورية الاسلامية في مواجهة الاخطار الامنية ومحاولة زعزعة امنهما واستقرارهما بعمليات ارهابية هنا او هناك فستكونان الاكثر قدرة على الاستفادة من انخفاض النفوذ السعودي في المنطقة و تراجعه.

مخاطر الصراع الأهلي السعودي

يؤكد المراقبون ان أي حرب أهلية أو صراع داخلي في المملكة العربية السعودية ستتخذ بسرعة بعدا دوليا. الملاحظ ان مقاولي الدفاع  يطلبون بمزيد من الدعم  والنفقات من قبل الصناديق السعودية كجزء من محاولة لإعادة النظر في الجيش، جزء منها يتضمن الاتفاق الأخير مع الولايات المتحدة الذي كلف المملكة حوالي  100 مليار دولار امريكي  وذلك اضافة الي استخدام السعودية على نحو متزايد الشركات العسكرية الخاصة مثل بلاك ووتر، التي توفر في الوقت الراهن الموظفين للتحالف السعودي في اليمن.

شبح الانتشار النووي في الشرق الأوسط يثير أيضا مخاوف من أن الأسلحة يمكن أن تقع في الأيدي الخطأ أو يتم استخدامها بشكل عشوائي. كرر جوليان أسانج تصريحات من عام 2010 لمدير قناة الجزيرة التي بموجبها  صرح بان قطر في صدد امتلاك سلاح نووي. ويشتبه في المملكة العربية السعودية نفسها من انها تمتلك أسلحة نووية. في عام 2013، ذكرت "بي بي سي نيوز" أن المملكة العربية السعودية تمتلك اسلحة نووية "لأمر" من باكستان، حيث ان السعودية هي التي مولت برنامجها النووي. في عام 2012، وقع السعوديين أيضا اتفاق التعاون النووي مع الصين بموجبه تتعهد الرياض ببناء 16 مفاعلا نوويا في البلاد في وقت لاحق في عام 2030. لقد اثارت حيازة أسلحة الدمار الشامل من قبل الدول العربية مخاوف مسؤولين من الاستخبارات الاسرائيلية الذين يخشون من أن الدول التي تحصل على أنظمة الأسلحة النووية لا تستخدمها على نحو فعال.

إذا يخرج الصراع مع قطر (أو واحدة من مناطق متعددة أخرى تدخلت فيها المملكة العربية السعودية) عن السيطرة، مع انتشار محتمل لنظم الأسلحة النووية فهذا يشكل خطرا كبيرا على امن السعودية. ان الصراعات الدولية، والإجراءات الإقليمية والعمليات الإرهابية يمكن ان تخلق مخاطر كبيرة واستخدام هذه الأسلحة عن قصد أو عن غير قصد سيكون نتيجته دمار شامل لكل المنطقة. أيضا اذا اندلعت حرب أهلية داخل  السعودية  فهذا سيكون خطرا على المجتمع الدولي، حيث ستكون هناك مشاكل كبيرة إذا تضررت المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال الصراع.

ان انخفاض احتياطي النقد الأجنبي، وانخفاض في إمدادات النفط والصراعات داخل العائلة المالكة والتهديد الذي تسببه الشبكات الارهابية ...كلها اسباب تشير الى ان السعودية اليوم باتت في ازمة حقيقية. استمرار الصراع القطري السعودي في التفاقم يطرح العديد من الاسئلة اليوم ليس على نهاية محتملة للارهاب ولا عن اخلاقيات مبيعات الاسلحة النووية للدول في المنطقة  ولكن على ما ينتظره شعوب الشرق الاوسط من تغييرات ربما لن تظهر الان الا بعد ان ينجلي غبار المعركة.

رمز الخبر 1874704

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 5 + 2 =