٢١‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ١١:٢٤ ص

كيف ستكون السيطرة الذكية لإيران على مضيق هرمز؟

كيف ستكون السيطرة الذكية لإيران على مضيق هرمز؟

لم تكن الحرب الأخيرة التي استمرت أربعين يومًا مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل كانت أيضًا لحظة فارقة في إعادة تعريف مكانة إيران في أحد أكثر المواقع الجيوسياسية حساسية في العالم.

وكالة مهر للأنباء: وفي غضون ذلك، برز مضيق هرمز مجددًا كمركز ثقل لهذه التطورات؛ مكان لا ترتبط به المعادلات الأمنية فحسب، بل يرتبط به أيضًا مستقبل اقتصاد الطاقة العالمي. وكان أبرز ما لفت الانتباه خلال هذه الفترة هو توجه إيران نحو نوع من "الإدارة الفعّالة" لهذا الممر الحيوي؛ إدارة، إذا ما صُممت ونُفذت على النحو الأمثل، يُمكنها أن ترتقي بمكانة إيران من لاعب إقليمي إلى جهة تنظيمية رئيسية على المستوى العالمي.

لا ينبغي النظر إلى مضيق هرمز على أنه مجرد ممر مائي ضيق تمر عبره ناقلات النفط. فهذا المضيق، في الواقع، هو أحد الأماكن القليلة في العالم التي يتحدد وزنها في آن واحد بثلاثة مجالات: الاقتصاد، والأمن، والسياسة الدولية. يمر عبر هذا الممر ما يقارب خُمس استهلاك العالم من النفط وحصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال؛ لذا، فإن أي تغيير في وضعه ينعكس فورًا على أسواق الطاقة العالمية، والقرارات الأمنية للقوى الكبرى، وحتى على السلوك الدبلوماسي للدول. ولهذا السبب، لا يُعتبر مضيق هرمز مجرد نقطة جغرافية، بل "رافعة قوة".

مع ذلك، وسط كل التحليلات الاقتصادية والأمنية، حظيت حقيقة قانونية هامة باهتمام أقل: ألا وهي مكانة هذا المضيق ضمن إطار القانون الدولي. وخلافًا لبعض الروايات الشائعة، فإن سيادة إيران على جزء كبير من هذا الممر المائي ليست مطالبة سياسية، بل تستند إلى قواعد راسخة في قانون البحار. ووفقًا للاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقية جنيف لعام 1958 واتفاقية قانون البحار لعام 1982، يُعترف بمبدأ "المرور البريء" للسفن الأجنبية؛ إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقًا ولا غير مشروط.

في هذا الإطار، يُعتبر مرور السفن "غير ضار" فقط عندما لا يُخلّ بالأمن والنظام والسلام في الدولة الساحلية. والنقطة الأساسية هنا هي أن الدولة الساحلية هي المسؤولة في نهاية المطاف عن تحديد ذلك. ببساطة، إيران هي من تستطيع تحديد نوع المرور المقبول في إطار أمنها القومي ونوع التهديد الذي تعتبره. في بعض الظروف، تملك الدولة الساحلية سلطة تقييد المرور أو إيقافه مؤقتًا لحماية أمنها، شريطة أن يتم ذلك دون تمييز.

هذه الصلاحية القانونية، رغم وجودها الدائم، لم تُستغلّ بالشكل الأمثل عمليًا واستراتيجيًا. أتاحت الحرب الأخيرة فرصة لتغيير النظرة إلى مضيق هرمز من مجرد "ممر ضيق" إلى "أداة تنظيمية". في هذا المنظور الجديد، لا يُعرّف إدارة المضيق بإغلاق الطريق أو تعطيل التجارة العالمية، بل بممارسة نوع من السيطرة الذكية؛ سيطرة تهدف إلى تنظيم حركة المرور، وتعزيز الأمن، وحماية المصالح الوطنية في الوقت نفسه.

وبناءً على هذا النهج، يمكن تحليل أهمية إدارة مضيق هرمز بالنسبة لإيران على ثلاثة مستويات رئيسية: الاقتصادية والأمنية والسياسية.

على الصعيد الاقتصادي، يُمثل مضيق هرمز فرصةً فريدةً لخلق القيمة. فبإمكان دولةٍ تُهيمن على أحد أهم ممرات الطاقة في العالم أن تُحقق إيراداتٍ كبيرةً ومستدامةً من خلال تطوير البنية التحتية للخدمات. ويمكن لخدماتٍ مثل الملاحة البحرية، والبحث والإنقاذ، وإدارة الأزمات، والسلامة المرورية، والتأمين، وحتى الخدمات اللوجستية، أن تتطور تدريجيًا لتُصبح صناعةً بحريةً قوية. وهذا هو المسار الذي سلكته بعض الدول الساحلية في أنحاءٍ أخرى من العالم، والتي تمكنت من بناء ميزةٍ اقتصاديةٍ طويلة الأجل بفضل موقعها الجغرافي.

وإلى جانب الإيرادات المباشرة، يُمكن لهذا الموقع أن يُعزز مكانة إيران في سلسلة الطاقة العالمية. فلن تقتصر إيران على كونها مُصدِّرةً للنفط أو الغاز فحسب، بل ستُصبح جهةً فاعلةً تنظيميةً قادرةً على التأثير في طريقة وشروط نقل الطاقة عالميًا. ومن شأن هذا الموقع أن يزيد بطبيعة الحال من قدرتها التفاوضية الاقتصادية.

وعلى الصعيد الأمني، تزداد أهمية مضيق هرمز وضوحًا. فهذا الممر المائي ليس مجرد طريقٍ لعبور البضائع، بل هو جزءٌ من معادلة الردع الإقليمي. إن الدولة التي تستطيع السيطرة العملياتية والقانونية على هذا الممر المائي تمتلك أداةً بالغة الأهمية لإدارة التهديدات. لا يعني هذا استخدام المضيق كأداة ضغط دائمة، بل يعني أنه في حال ظهور أي تهديد، سترتفع تكلفة الأعمال العدائية على الطرف الآخر.

بعبارة أخرى، يمكن أن تشكل إدارة مضيق هرمز جزءًا من عقيدة الردع الذكي؛ وهي عقيدة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تستخدم مزيجًا من الأدوات القانونية والاقتصادية والجيوسياسية لضمان الأمن. هذا النوع من الردع ليس أكثر فعالية فحسب، بل هو في كثير من الحالات أقل تكلفة وأكثر استدامة.

لكن ربما يكون البُعد السياسي والدبلوماسي لهذه القضية هو الأهم. ففي عالمنا اليوم، لا تُعرَّف القوة في المجال العسكري فحسب؛ بل إن القدرة على صياغة قواعد اللعبة وتوجيه المفاوضات تُعدّ أيضًا جزءًا مهمًا من القوة. ومن الطبيعي أن تُشكّل السيطرة على ممر مائي دولي كمضيق هرمز رافعةً مهمة في هذا المجال.

لكن ربما يكون البُعد السياسي والدبلوماسي لهذه القضية هو الأهم. بإمكان إيران استغلال هذا الموقع لتحديد أطر التعاون الإقليمي في مجال الأمن البحري، والحوار مع الدول المستهلكة للطاقة، بل والمشاركة في وضع قواعد جديدة في تجارة الطاقة. في هذه الحالة، سيتحول مضيق هرمز من بؤرة توتر محتملة إلى منصة للتفاعل، بل وحتى لإبرام الاتفاقيات. وهذا التغيير نفسه كفيل بتحسين صورة إيران في المعادلات الدولية.

مع ذلك، يتطلب تحقيق هذه الرؤية شرطًا أساسيًا: تصميم آليات إدارة المضيق بدقة وشمولية. لا يمكن أن تستند هذه الإدارة إلى قرارات ارتجالية أو ردود فعل فحسب، بل يجب أن تستند إلى إطار قانوني وتقني ودبلوماسي متكامل. ويتطلب تحديد حدود السلطة، وأسلوب التفاعل مع الدول الأخرى، والآليات التنظيمية، وحتى النماذج الاقتصادية المتعلقة بهذه الإدارة، عملًا متخصصًا معمقًا.

ومن النقاط المهمة الأخرى تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية. فرغم أن مضيق هرمز يقع ضمن سيادة إيران، إلا أنه لا يمكن إدارته بمعزل عن الاعتبارات الدولية نظرًا لدوره العالمي. يكمن الفن الاستراتيجي هنا في قدرة إيران، مع الحفاظ على حقوقها، على تجنب التوترات غير الضرورية، وفي الوقت نفسه تعزيز موقعها.

في المستقبل القريب، ستزداد المنافسة على طرق الطاقة والاختناقات الجيوسياسية بشكل ملحوظ. وستجعل تطورات سوق الطاقة، وتغير أنماط الاستهلاك، وحتى التنافس بين القوى العظمى، مضيق هرمز محط أنظار العالم أكثر من أي وقت مضى. في ظل هذه الظروف، لن تتضرر الدول القادرة على تحديد دورها بشكل صحيح من هذا التنافس فحسب، بل ستصبح أيضًا من اللاعبين المؤثرين فيه.

بالنسبة لإيران، هذا ليس خيارًا، بل ضرورة. فالموقع الجغرافي، والقدرات القانونية، والخبرات المكتسبة في السنوات الأخيرة، كلها تشير إلى إمكانية إعادة تعريف هذا الدور. وما يتبقى هو الإرادة لتحويل هذه القدرة إلى استراتيجية متماسكة وقابلة للتطبيق.

في نهاية المطاف، ينبغي النظر إلى مضيق هرمز ليس كمجرد تحدٍ، بل كفرصة؛ فرصة لإعادة تعريف مكانة إيران في النظام العالمي المتغير. إذا تمت إدارتها بمنظور ذكي قائم على الحقائق القانونية والجيوسياسية، فقد تصبح هذه الفرصة واحدة من أهم أدوات القوة لدى إيران في العقود القادمة.

رمز الخبر 1970136

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha