وکالة مهر للأنباء: تشير التطورات الأخيرة في اليمن إلى أن المقاومة اليمنية دخلت مرحلة جديدة من الردع، مستندةً إلى استراتيجية «الحصار مقابل الحصار»؛ وهي استراتيجية تهدف إلى كسر الحصار المفروض على البلاد، والرد بالمثل على الهجمات، وإحداث تحول في ميزان القوى في مواجهة السعودية والدول الداعمة لها.
المسار الأول: الحصار الجوي (المطار بالمطار): بعد استهداف العدو السعودي لمطار صنعاء الدولي مطلع يوليو 2026، ردت القوات المسلحة باستهداف مطار أبها، وأعلنت بشكل واضح أن الملاحة الجوية للمطارات السعودية ستكون هدفاً مشروعاً، محذرةً شركات الطيران من التعامل معها. هذه المعادلة ما زالت سارية، وتشكل رأس حربة في كسر الحصار الجوي المضروب على اليمنيين منذ سنوات.
المسار الثاني: الحصار البحري المتدرج: في العشرين من يوليو 2026، أعلنت القوات المسلحة رسمياً "حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي وفق معادلة الحصار بالحصار". وخلال يومين فقط، ترجمت هذا الإعلان باستهداف سفينتي النفط السعوديتين "ENCELIA" و"LAYLA" وإصابتهما إصابةً مباشرة، مع إجبار ما يقارب عشر سفن أخرى على التراجع والعودة. يؤكد هذا المسار أن القوات المسلحة تمتلك إجراءات تصعيدية متدرجة تبدأ بالنداء والتحذير، ثم الرسائل النارية، وصولاً إلى الاستهداف المباشر، مع الحرص الأخلاقي على سلامة الأطقم.
المسار الثالث: الردع الاستراتيجي والانتقام المشروع: هذا هو المسار الذي تجلى اليوم بأوضح صوره. فكل عدوان سعودي على الأعيان المدنية اليمنية سيقابل بردٍ فوري وقاصم في عمق العدو السعودي وفي كافة المنشآت الحيوية، وكما أكد البيان العسكري، فإن فرض الحصار البحري لا يزال مستمراً وأن القوات المسلحة لن تتردد في توسيع تحركاتها وتصعيد خطواتها" وفقاً لتطورات الموقف.
السعودية.. بين الوكالة والانتحار الاستراتيجي
تطرح العملية أسئلةً وجودية عن دوافع النظام السعودي للمقامرة بمصيره بهذا الشكل. لماذا يعود السعودي لجولة تصعيد جديدة بعد أن شهد نتائج المواجهات السابقة، وبعد أن فشلت الدفاعات الأمريكية في حمايته في بقيق وخريص، وبعد أن اضطر الأمريكي نفسه للاتفاق مع صنعاء لتأمين خروج سفنه من البحر الأحمر تاركاً السفن الإسرائيلية عرضة للنيران؟
الإجابة، تكمن في أن النظام السعودي لا يملك قراره بنفسه، وأنه مسخر لخدمة المشروع الأمريكي الإسرائيلي. ففي إطار استراتيجية "الشرق الأوسط الجديد"، وزّعت واشنطن الأدوار على حلفائها: للإمارات والكويت والبحرين دور في مواجهة إيران، وللسعودية دور تدمير اليمن. وما يقوم به النظام السعودي اليوم من حصار وعدوان هو استمرار لدوره التاريخي كأداة في يد الغرب والصهيونية، على غرار ما فعله في سوريا ولبنان وليبيا والسودان.
لكن المشكلة أن هذه الأداة تُدفع اليوم نحو انتحارٍ استراتيجي. ففي الوقت الذي أغلق فيه هرمز واتجهت المملكة للتصدير عبر البحر الأحمر، ها هي الضربات اليمنية تشلّ ميناء ينبع الحيوي، لتُدخل الاقتصاد السعودي في مأزقٍ غير مسبوق. لقد دخل العدو السعودي، في مأزق لم يكن يحسب له أي حساب، بعد أن كان يظن أن التهديدات اليمنية مجرد "ابتزاز".
من انتزاع الحقوق إلى المعركة الواحدة
تتجاوز دلالات العملية الإطار الثنائي مع السعودية إلى أفق المواجهة الشاملة مع المحور الأمريكي الإسرائيلي. فالخروج المليوني للشعب اليمني، الذي سبق العملية، كان إعلاناً بأن الشعب اليمني - قيادةً وجيشاً وشعباً - قد خرج بكامله رافضاً للوضع القائم، ومطالباً بإنهاء الحصار والعدوان مهما كانت النتائج والتحديات. وهذا ما عبّر عنه الرئيس مهدي المشاط بقوله: "عندما يصبر شعبنا اليمني ما يقارب 12 عاماً على الحصار السعودي الظالم ولدى قواته المسلحة هذه الخيارات التي لا يقوى العدو السعودي على تحملها، فإنه قد أقام الحجة أمام الله على أكمل وجه".
في هذا السياق، تأتي تصريحات رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام لتضيف بعداً آخر، حين شبه السياسات السعودية بالنهج الإسرائيلي في العدوان، محذراً من أن خطوات الحظر والقيود البحرية ليست سوى البداية، وهو ما يعكس فهماً استراتيجياً بأن الحصار والعدوان ليسا مجرد سياسة سعودية منعزلة، بل هما وجه من وجوه المشروع الصهيوأمريكي للمنطقة، وأن كسر أحدهما هو طريق لكسر الآخر.
زهوق الباطل وقد آن الأوان
عندما يعلو صوت الصاروخ اليمني في سماء جيزان وينبع، فإنه يحمل رؤوساً متفجرة، و يحمل رسالةً مدوية تؤكدا أن اثني عشر عاماً من الحصار الظالم والغاشم قد بلغت منتهاها، وإن شعب الإيمان والحكمة لم يعد يقبل بأن تُغلق مطاراته "بإذن من الرياض"، ولا أن تتحكم سفن التفتيش "الدمريج" في لقمة عيشه.
لقد نجحت العملية العسكرية النوعية اليوم في تحقيق أهدافها المباشرة بدقةٍ منقطعة النظير، لكن الأهم أنها نجحت في رسم الخطوط الحمراء الجديدة: لا مساس بسيادة اليمن، ولا استمرار للحصار أحادي الجانب، ولا عدوان دون عقاب. وكما قال البيان الأول للحظر، فإن "أي حماقة يقدم عليها العدو السعودي الأرعن من خلال التصعيد الشامل فسنواجهه بتصعيد شامل وقاس".
في المحصلة، تؤكد عملية الخامس والعشرين من يوليو أن القوات المسلحة اليمنية، وبعد التوكل على الله، تملك الإرادة والقدرة والمخزون الاستراتيجي لخوض معركة انتزاع الحقوق حتى النهاية. لقد بدأت من جيزان وينبع، لكن بنك الأهداف يضم جدة والرياض ورابغ والظهران وجبيل ورأس تنورة، مما يعني أن كل أراضي المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها واقعة تحت تهديد النيران اليمنية. وأول الغيث قطرة، وهذه القطرة كانت طوفاناً من النار.

تعليقك