وكالة مهر للأنباء: كان الليل لا يزال ليل زفاف. منزل مضاء في كوهستك، وعائلات وأصدقاء تجمعوا للاحتفال ببداية حياة شابين؛ يضحكون، ويصفقون، ويلتقطون الصور، ويحاولون لساعات قليلة أن يتركوا الحرب والقلق والأخبار المحزنة خلف الباب.
لكن الحرب أحياناً لا تبقى خلف الأبواب
مساء الثاني من سبتمبر، وبالتزامن مع استمرار الهجمات الأمريكية على مناطق في جنوب إيران، استهدف هجوم جوي مكان إقامة حفل زفاف في كوهستك بسيريك. وأفادت التقارير الأولية بسقوط قتيلين وإصابة نحو 50 شخصاً، قبل أن ترتفع الحصيلة بعد ساعات إلى خمسة قتلى، بينهم طفل، ونحو 68 جريحاً.
وسارعت فرق الإنقاذ والطوارئ إلى مكان الحادث، فيما نُقل المصابون إلى المراكز الطبية لتلقي العلاج.
لا يمكن رواية ما حدث داخل ذلك المنزل
فالرقم «خمسة» لا يخبرنا كم كرسياً بقي فارغاً إلى الأبد في ذلك الزفاف، والرقم «68» لا يستطيع أن يصف آلام أولئك الذين سيتذكرون فرحة تلك الليلة ممزوجة بالجراح وذكريات الانفجار.
خلف كل رقم؛ أم وأب وطفل وأخت وأخ وصديق، كان من المفترض أن يتحدث في اليوم التالي عن ليلة الزفاف، لكنه وجد نفسه مضطراً للحديث عن المستشفى والدفن ومنزل تحول إلى ركام.

قبل لحظات كان المكان حفلة زفاف؛ وبعد لحظات أصبح ركاماً
وربما تختصر هذه المسافة القصيرة كل معنى الحرب؛ مسافة تفصل الحياة عن الموت، وقد لا تعني لمن يجلسون خلف خرائط الحرب سوى إحداثيات وثوانٍ معدودة، لكنها بالنسبة إلى من يعيشون تحت ذلك السماء قادرة على تغيير العالم بأكمله.
كان ينبغي للطفل أن يركض في حفل الزفاف بحثاً عن الحلوى، لا أن يُكتب اسمه في قائمة ضحايا هجوم. وكان ينبغي أن يفرح بالموسيقى وضحكات الكبار من حوله، لا أن يحمل في ذاكرته إلى الأبد صوت الانفجار
الزفاف يفترض أن يكون من أجمل ذكريات الحياة، لا ليلة تتذكر فيها عائلة، كلما ذُكر اسمها، وجه عزيز لن يعود.
لكن الحرب لا تعبأ بكل هذه الأمنيات

الصاروخ لا يميز بين عروس وعريس وطفل وأم وأب. والنار لا تسأل من هم أولئك الذين يقفون تحتها ولماذا اجتمعوا.
وعندما تصل الحرب إلى الناس، فإنها لا تعود مجرد حرب على الخرائط والأهداف العسكرية؛ بل تصبح حرباً على حياة أناس لم يريدوا سوى أن يعيشوا.
وربما كانت الصورة الأكثر قسوة في هذه الحادثة أن الذين اجتمعوا تلك الليلة في كوهستك لم يذهبوا إلى ساحة حرب. لم يكونوا جنوداً، ولم يحتلوا موقعاً عسكرياً، ولم يجتمعوا للقتال.
لقد جاؤوا ليحتفلوا بالحياة
لكن الحرب جاءت إلى منزلهم
في مثل هذه اللحظات، تختصر الأخبار عادةً في كلمات قليلة: هجوم، انفجار، قتلى، جرحى، سيارات إسعاف ومستشفى.
لكن خلف هذه الكلمات تضيع حياة الناس
فالمنزل الذي كان قبل دقائق مكاناً للضحك، يتحول إلى موقع لإنقاذ المصابين. وتُعثر بين الأنقاض على ملابس الحفل، فيما الأيدي التي ارتفعت قبل لحظات للتصفيق للعروسين، تنشغل الآن بانتشال الجرحى من تحت الركام.
ومع ذلك، تظهر وسط كل هذا الألم صورة أخرى؛ صورة شعب لا يترك بعضه بعضاً في أصعب اللحظات.
مسعفون يندفعون إلى قلب الخطر، وعائلات تنقل المصابين إلى المستشفيات، وأناس يبحثون، وسط انهيار كل شيء، عن فرصة لإنقاذ حياة أخرى.
جاء العدوان من السماء، لكن أول رد للناس جاء من الأرض؛ أيدٍ امتدت إلى بعضها لإنقاذ الآخرين.
ولهذا ربما لا يمكن رواية هذه الحادثة من خلال صور الصواريخ والدخان وحدها.
ما حدث في كوهستك لم يكن مجرد تدمير مبنى؛ فعندما تدخل الحرب إلى حفل زفاف، فإنها تجرح ذاكرة الناس أيضاً.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد «الزفاف» بالنسبة إلى بعض العائلات مجرد ذكرى لفستان أبيض وموسيقى وحلوى؛ بل أصبح يحمل أيضاً صوت انفجار قد لا يمحى من الذاكرة أبداً.
قد يواصل العروسان حياتهما، لكن تلك الليلة لن تعود أبداً كما كانت. بعض الذين جاؤوا لتهنئتهما أصيبوا، وبعضهم لن يعودوا إلى منازلهم أبداً.
عائلات اجتمعت للاحتفال بأبنائها، تجد نفسها الآن مضطرة إلى التعايش مع مقاعد فارغة لأشخاص كان يفترض أن يشاركوا في هذه المناسبات لسنوات طويلة.
هذه هي الوجه الحقيقي للحرب؛ فالعدو لا يدمّر المنازل فحسب، بل يجرح الذكريات أيضاً.
ومع ذلك، ربما لا ينبغي أن تكون الصورة الأخيرة لهذه الليلة هي صورة الانفجار، ولا السماء المشتعلة أو الجدران المنهارة.
يجب أن تكون الصورة الأخيرة أناساً اندفعوا بعد الانفجار نحو بعضهم بعضاً؛ أناساً بحثوا عن الحياة بين الأنقاض، ورفضوا أن يسمحوا للموت بأن يكتب وحده المعنى الكامل لتلك الليلة.
كان ذلك المنزل يفترض أن يكون شاهداً على بداية حياة جديدة. أرادت الحرب أن تحوله إلى رمز للموت، لكن الحياة، حتى وهي جريحة ونازفة، تجد طريقها دائماً.
حين يأتي الصباح، قد لا تضيء مصابيح ذلك المنزل من جديد. وقد تبقى كراسي الزفاف فارغة، وتظل عائلات تنتظر أحباء لن يعودوا.
لكن في ذاكرة هذا البلد، لن تُسجّل تلك الليلة بصوت الانفجار وحده؛ بل ستُسجّل أيضاً بصورة أناس وقفوا، تحت سماء الحرب، متمسكين بالحياة.
لم تنتهِ حفلة الزفاف حتى اشتعلت السماء؛ لكن الحياة لم تنتهِ
وربما يكون هذا هو أعظم ما يميز شعباً مهما أشعل العدو السماء بالنيران، لا يستطيع أن يقصف رغبته في الحياة.

تعليقك