وكالة مهر للأنباء، المجموعة السياسية:عشية انطلاق الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، لا يزال المناخ السياسي والإعلامي المحيط بهذه المحادثات يتسم بالحذر والشك، وفي الوقت نفسه بالواقعية. وتؤكد طهران أن دخولها هذه العملية لم يكن بدافع التفاؤل، بل بناءً على حسابات دقيقة، بهدف حماية الحقوق النووية ومحاولة رفع العقوبات؛ وهو مسار، بحسب مسؤولين إيرانيين، يقتصر على القضية النووية فقط ولا يشمل أي أجندة أخرى.
ويأتي عودة إيران إلى مسار الدبلوماسية عقب مشاورات مكثفة بين عدد من دول المنطقة والرئيس الایراني. أكدت هذه الدول، مشددةً على ضرورة إدارة الخلافات عبر الحوار، على عواقب تصاعد التوترات، وشددت على الدور الفعال للدبلوماسية في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
في غضون ذلك، يبرز دور دول مثل عُمان في تيسير التواصل غير المباشر بين طهران وواشنطن؛ وهي دولة وفرت أيضاً منصةً لمحادثات سرية في منعطفات حاسمة خلال السنوات الماضية. ويبدو أن طهران تُقيّم حالياً الوساطة الإقليمية باعتبارها أكثر واقعية وأقل تكلفة من الآليات العابرة للأقاليم.
خطوط حمراء واضحة؛ محادثات نووية فقط
وفقاً لمصادر مطلعة، لم تدخل إيران في العملية الجديدة إلا بعد تلقيها رسالة من الجانب الأمريكي تفيد بأن جدول أعمال المحادثات سيقتصر على الملف النووي. وقد وضعت طهران شرطين محددين للمشاركة في المحادثات: قبول مبدأ التخصيب والتركيز حصراً على القضية النووية.
وأوضح مسؤولون في الجمهورية الإسلامية أن إثارة قضايا إقليمية أو صاروخية ضمن هذا الإطار يعني الانسحاب من الاتفاق الأولي ووقف العملية الدبلوماسية. من وجهة نظر طهران، هدف المفاوضات واضح: الحفاظ على الحقوق النووية مع رفع العقوبات "القاسية" وتحقيق مكاسب ملموسة للبلاد.
انعدام ثقة الرأي العام: عامل حاسم
يُعدّ انعدام ثقة الرأي العام الإيراني بالولايات المتحدة أحد أهم العوامل في المعادلة الجديدة. فبحسب نتائج استطلاع رأي أجراه معهد غمان بين سبتمبر/أيلول 2025 وسبتمبر/أيلول 2026، اعتبر ما بين 75 و80 بالمئة من المستطلَعين الإيرانيين الولايات المتحدة طرفًا غير جدير بالثقة، بينما أيدت أقلية فقط المفاوضات المباشرة مع واشنطن.
يستند هذا الرأي إلى تجارب تاريخية وتطورات في السنوات الأخيرة. فقد سعت الولايات المتحدة، في مناسبات مختلفة، إلى تحويل مسار الاحتجاجات من المطالب الاقتصادية إلى المواجهة الأمنية بالاعتماد على شبكات غير رسمية، والتحريض على العنف، واستغلال السخط الاجتماعي الحقيقي؛ وهي تجارب بدأت مع انقلاب 19 أغسطس/آب 1953، ولطالما كانت الخيار الأخير للولايات المتحدة في أوقات مختلفة. أثّر هذا النهج الأمريكي بشكل مباشر على تقييم إيران لنوايا واشنطن في مسار الدبلوماسية. ولذلك، ساهمت هذه الأحداث مجتمعةً في تشكيل هذه العقلية؛ ما يُجبر فريق التفاوض على إدارة الحساسيات الداخلية إلى جانب التحديات.
واشنطن: سلوك متناقض واختبار للجدية
يعتبر المسؤولون الإيرانيون السلوك والخطاب المتناقضين للمسؤولين الأمريكيين من أبرز العقبات التي تحول دون إرساء عملية تفاوض مستدامة. ويُعدّ تغيير المواقف في فترات متقاربة، وعدم اتساق الرسائل الرسمية، وإطالة الفترة بين الاجتماعات، من بين الأمور التي تُقيّمها طهران كمؤشرات على غياب النهج المهني والجاد.
لا تزال إيران تعتبر المفاوضات الأداة الرئيسية لإدارة التوترات وتعزيز مصالحها الوطنية، ولكن ثمة شكوك أيضًا بأن بعض التيارات المُحرضة على الحرب في الولايات المتحدة ودوائر مُقرّبة من الكيان الصهيوني تُحاول عرقلة مسار الدبلوماسية بتعطيل المحادثات. لهذا السبب، أكدت طهران، مع إعلانها عن جدية تامة، على ضرورة استمرار المفاوضات دون تهديدات أو ضغوط.
تهميش أوروبا في العملية الجديدة
على الرغم من أن ألمانيا وبريطانيا وفرنسا كانت الدول الرئيسية الموقعة على الاتفاق النووي السابق، إلا أنها لم تُجرِ اتصالات مباشرة مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى في الأسابيع الأخيرة. من وجهة نظر بعض المحللين في طهران، يعني هذا الوضع تقليصًا للدور العملي لأوروبا في المعادلة الحالية، لدرجة أن إيران تعتبر هذه الدول الثلاث عائقًا أمام العملية الدبلوماسية أكثر من كونها وسيطًا فعالًا؛ وهو ما دفع طهران إلى التركيز بشكل أكبر على القنوات الإقليمية مقارنةً بالماضي.
الدبلوماسية كخيار استراتيجي
أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنها تُفضل الدبلوماسية على الحرب، لكن هذا التفضيل لا يعني التراجع عن الخطوط الحمراء. يُشدد فريق التفاوض على "التركيز على النتائج" ويعتقد أن أي اتفاق مُحتمل يجب أن يُفضي إلى مكاسب ملموسة للشعب الإيراني في أقصر وقت ممكن.
تبدو الجولة الثانية من المفاوضات، التي تتجاوز كونها مجرد اجتماع فني، بمثابة اختبار سياسي لقياس مدى استعداد واشنطن للتحرك نحو اتفاق متوازن ومستدام. ورغم تزايد الشكوك، لا تزال طهران تنظر إلى الحوار كوسيلة لإدارة التوتر، ولكن هذه المرة بحذر أكبر وتركيز على التجارب السابقة.
تعليقك