وكالة مهر للأنباء _ رسول حسين أبو السبح: في لحظة دولية مشحونة، يبرز طلب وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار كحدث مالي/استراتيجي بالغ الدلالة، لا بوصفه مجرد بند إنفاق عسكري، بل باعتباره مؤشراً على تحوّل أعمق في توازنات القرار الأمريكي بين متطلبات القوة الصلبة وحدود الاقتصاد، الطلب الذي ينتظر المراجعة داخل البيت الأبيض، يأتي في سياق تصاعد التوتر مع الجمهورية الإسلامية الايرانية، ويضع صانع القرار في الولايات المتحدة أمام معادلة مركبة، كيف يمكن تمويل حرب محتملة دون دفع الاقتصاد نحو اختلالات يصعب احتواؤها؟
إنفاق استثنائي في سياق استثنائي
إذا ما قورن هذا الرقم بحزم الدعم العسكري التي أقرتها واشنطن منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فإن الفارق يبدو صارخاً، إذ يتجاوز التمويل الجديد بثلاثة أضعاف تقريباً ما خُصص لكييف خلال سنوات، وهذا يبين بأن صناع القرار لا ينظرون إلى المواجهة المحتملة بوصفها عملية محدودة، بل باعتبارها سيناريو مفتوحاً على احتمالات تصعيد أوسع.
وما يعزز هذا الانطباع، أن المشروع يُصنف ضمن “الإنفاق التكميلي الطارئ”، وهي الأداة التي استخدمت سابقاً خلال جائحة كورونا، ما يعني أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الملف بوصفه أزمة تستدعي تجاوز القيود المالية التقليدية.
خطاب الطمأنة نفي “المستنقع”
في مقابل هذا التصعيد المالي، حرص بيت هيغسيث، وزير الدفاع، على تبني خطاب تطميني، مؤكداً أن العمليات العسكرية “تسبق الجدول الزمني”، وأن واشنطن لا تنزلق نحو “حرب أبدية”، هذا الخطاب يعكس إدراكاً لحساسية الرأي العام الأمريكي، الذي لا يزال متأثراً بإرث الحروب الطويلة في الشرق الأوسط.
غير أن مثل هذه التصريحات، وإن بدت ضرورية سياسياً، لا تلغي حقيقة أن حجم التمويل المطلوب يتناقض موضوعياً مع فكرة “العملية المحدودة”، إذ إن الأرقام الكبرى غالباً ما تعكس توقعات بامتداد زمني أو جغرافي أوسع.
الاقتصاد تحت الضغط بين دين متضخم وأسواق قلقة
يأتي هذا الطلب في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي تحديات بنيوية، أبرزها تضخم الدين الفيدرالي الذي يقترب من 39 تريليون دولار، ومع ارتفاع عوائد السندات قصيرة الأجل إلى مستويات لافتة، فإن أي تمويل إضافي عبر الاقتراض سيزيد من كلفة خدمة الدين، ويضغط على الموازنة العامة في السنوات المقبلة.
ولا يقف الأمر عند حدود الدين، إذ إن الأسواق تراقب بعناية أثر التوترات الجيوسياسية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، فاضطراب إمدادات الغاز المسال عالمياً يضيف عنصراً تضخمياً جديداً، ما قد يدفع مؤشر أسعار المستهلك (CPI) إلى تجاوز مستويات مقلقة، ويقوض جهود الاحتياطي الفيدرالي في كبح التضخم.
بين الحسم العسكري والانضباط المالي
تكشف هذه التطورات عن معضلة كلاسيكية في الاستراتيجية الأمريكية، هل يمكن تحقيق “الحسم العسكري السريع” دون كلفة اقتصادية ممتدة؟ التجارب السابقة تشير إلى أن الحروب، حتى تلك التي تبدأ بأهداف محدودة، تميل إلى التمدد زمنياً ومالياً، ما يجعل كلفتها النهائية أعلى بكثير من التقديرات الأولية.
وفي هذا السياق، يصبح قرار التمويل أكثر من مجرد تصويت داخل الكونغرس، إنه اختبار لقدرة النظام السياسي الأمريكي على موازنة الأولويات بين الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي، فالإفراط في الإنفاق العسكري قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية إذا ما أدى إلى إضعاف القاعدة الاقتصادية التي تقوم عليها القوة الأمريكية.
اقتصاد لا يتفاوض مع الأزمات
في المحصلة، لا يمكن قراءة طلب الـ200 مليار دولار بمعزل عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه واشنطن، فالعالم يشهد تزايداً في الأزمات المتداخلة، من النزاعات المسلحة إلى الاضطرابات الاقتصادية، ما يجعل أي قرار كبير محفوفاً بتداعيات متعددة المستويات.
الولايات المتحدة تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن تنجح في إدارة هذا التوازن الدقيق بين متطلبات القوة ومحددات الاقتصاد، أو أن تجد نفسها أمام دوامة من الضغوط المالية التي قد تقيد قدرتها على المناورة مستقبلاً، وفي كلتا الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم أن الاقتصاد، بخلاف السياسة، لا يقبل التأجيل ولا يتفاوض مع الطوارئ.

تعليقك