وكالة مهر للأنباء- رسول حسين ابو السبح: ليست الحرب الدائرة اليوم ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، وضد قوى المقاومة في لبنان واليمن، مجرّد مواجهة سياسية تقليدية تُختزل بالنفوذ الإقليمي أو التنافس الجيوسياسي، إنّ ما يجري يتجاوز ذلك بكثير، إذ يبدو أنّ المنطقة تُدفع دفعاً نحو صراع تُستحضر فيه العقائد والأساطير والرؤى الماورائية لتأطير معركة يُراد لها أن تكون فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة و ”إسرائيل”، بعد عقود من الحروب العسكرية والضغوط الاقتصادية والعقوبات والحصار، لم تعودا تخوضان معركتهما بمنطق “الدولة” بسبب الفشل الذريع الذي لازم هذه الحملات، فتوجهوا لقيادة المعركة بمنطق “الرسالة” أيضاً، وهنا تحديداً يكمن الخطر الحقيقي، حين تتحول القوة العسكرية إلى أداة مؤدلجة تستند إلى سرديات دينية و توراتية تعيد إنتاج فكرة “الحرب المقدسة” بثوب استراتيجي معاصر.
لقد أعادت الصهيونية السياسية، مدعومة باليمين الإنجيلي الأمريكي، إنتاج مفهوم “هرمجدون” باعتباره أفقاً نهائياً للصراع، لا بوصفه نبوءة دينية فحسب، بل كإطار ذهني يحكم السلوك السياسي والعسكري، ومن هنا يمكن فهم حجم التوحش الذي رافق الحروب المتعاقبة في غزة ولبنان واليمن، وحجم الإصرار على إخضاع إيران باعتبارها العقبة الكبرى أمام مشروع الهيمنة الشاملة.
إنّ المشروع الصهيوأمريكي يدرك أنّ الجمهورية الإسلامية لم تعد مجرّد دولة إقليمية، بل تحولت إلى مركز ثقل سياسي وعسكري وفكري أنتج محوراً عابراً للحدود، يمتلك قدرة متصاعدة على استنزاف القوة الغربية وتهديد تفوقها التقليدي، ولهذا فإنّ الحرب على إيران ليست حرباً على برنامج نووي كما يُروَّج إعلامياً، بل حرب على نموذج سياسي استطاع أن يفرض معادلة ردع مستقلة خارج المنظومة الغربية.
في المقابل، تنظر قوى المقاومة إلى هذه المواجهة باعتبارها معركة وجود وسيادة وكرامة تاريخية، لا مجرد نزاع حدودي أو تفاوض على النفوذ، ولذلك فإنّ الخطاب التعبوي الذي تتبناه بيئات المقاومة لا ينفصل عن إدراكها أنّ المعركة باتت تستهدف هوية المنطقة وقرارها السياسي ومستقبلها الحضاري.
ولعلّ أخطر ما في المشهد الحالي أنّ واشنطن وتل أبيب تحاولان نقل المنطقة من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة “الحسم الوجودي”، وهذا ما يفسّر التوسّع المستمر في دوائر الاشتباك، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، ومن الساحة السورية إلى العمق الإيراني، في محاولة لصناعة ضغط شامل ومتعدد الجبهات.
لكنّ الوقائع الميدانية خلال السنوات الأخيرة كشفت أيضاً أنّ ميزان القوة لم يعد كما كان، فالحروب التي خيضت ضد لبنان واليمن وغزة لم تنتج نصراً استراتيجياً حاسماً، بل أظهرت حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية أمام حروب الاستنزاف طويلة النفس، كما أنّ الضربات المتبادلة في الإقليم أكدت أنّ زمن الحروب الخاطفة قد انتهى، وأنّ أي مواجهة كبرى ستكون مكلفة على الجميع، بما في ذلك الكيان الإسرائيلي نفسه.
ومن هنا، يصبح استحضار “هرمجدون” أكثر من مجرد خطاب ديني، إنه محاولة لصناعة مناخ نفسي وسياسي يبرّر الانفجار الكبير، فحين تُقدَّم الحرب باعتبارها “قدراً تاريخياً”، تُصبح التسويات خيانة، ويصبح التصعيد خياراً وجودياً لا تكتيكاً عابراً.
غير أنّ المفارقة الكبرى تكمن في أنّ القوى التي تتحدث عن “الخلاص” و”نهاية التاريخ” تبدو اليوم الأكثر ارتباكاً أمام صمود محور المقاومة واتساع حضوره الشعبي والعسكري في المنطقة، فبدلاً من تفكيك هذا المحور، ساهمت الحروب والعقوبات في إعادة إنتاجه بصورة أكثر تماسكاً وخبرة وقدرة على المبادرة.
إنّ الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة لحظة مفصلية، لحظة تختلط فيها العقيدة بالصاروخ، والأسطورة بالطائرة المسيّرة، والتفسير الديني بغرف العمليات العسكرية، وفي ظل هذا التداخل الخطير، لم تعد المعركة مجرد صراع حدود أو مصالح، بل تحوّلت إلى صدام بين رؤيتين للعالم، رؤية تريد فرض الهيمنة بالقوة تحت غطاء لاهوتي، ورؤية ترى في المقاومة مشروعاً للتحرر واستعادة القرار السيادي.
قد لا تكون “هرمجدون” بالمعنى الديني الحرفي قد بدأت بعد، لكنّ المؤكد أنّ المنطقة دخلت بالفعل زمن الحروب المفتوحة على احتمالات كبرى، حيث لم يعد ممكناً الفصل بين الميتافيزيقيا والجغرافيا السياسية، ولا بين العقيدة والنار.
/انتهى/
تعليقك