وكالة مهر للأنباء: لقد مضى حوالي ثلاثة أشهر على بدء العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران؛ عدوان استمر أربعين يوماً، ظن واضعوه أنه يمكنهم، من خلال مزيج من الضغط العسكري، والحرب النفسية، والعمليات الإعلامية، إجبار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على التراجع والاستسلام. لكن الآن، مع مرور الوقت، لم تفشل تلك الأهداف فحسب، بل إن الاعترافات المتتالية من قبل وسائل الإعلام والمحللين الغربيين والصهاينة كشفت بشكل أكبر أبعاد فشل هذا المشروع. وفي هذا السياق، كتبت الصحيفة الصهيونية "جيروزاليم بوست" في تحليل جدير بالملاحظة: "الحرب لم تدمّر إيران. بل عززت سيطرتها على هرمز، وأعادت بناء تحالفاتها، وعززت نفس المؤسسات التي كانت أمريكا تستهدفها."
هذا الاعتراف يعكس في الواقع حقيقة حاول واضعو الحرب إخفاءها؛ وهي أن حساباتهم تجاه إيران كانت مبنية على فهم خاطئ لهيكل القوة والمجتمع والقدرات الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية. فقد تصوروا أن الضغط العسكري والاقتصادي الثقيل، إلى جانب العمليات الإعلامية الموسعة، يمكن أن يسبب اضطراباً داخلياً في إيران ويدفع هيكل صنع القرار في البلاد نحو التراجع. لكن نتيجة الحرب أثبتت عكس هذا التصور تماماً.
نتيجة عكسية لمحاولة إسقاط الهيكل السياسي والأمني الإيراني
في ساحة المعركة التي كان من المفترض أن ينهار فيها "الردع" الإيراني، حدثت نتيجة عكسية. فلم يصمد الهيكل السياسي والأمني للبلاد فحسب، بل أدت تجربة هذه الحرب إلى زيادة التماسك الداخلي وتعزيز الروابط الإقليمية لإيران. ففي الأيام الأولى للحرب، تحدثت العديد من وسائل الإعلام الغربية عن "لحظة حاسمة"، وادعت أن طهران على وشك التراجع الاستراتيجي. لكن مع مرور الوقت، اتضح أن إيران لم تنجح فقط في إدارة الضغوط، بل حافظت أيضاً على زمام المبادرة في أجزاء من الميدان.
أحد أهم أبعاد هذا الفشل هو انهيار الصورة التي بناها كل من أمريكا والكيان الصهيوني على مر السنين حول قوتهما الردعية. فقد حاولا دائماً ترسيخ فكرة أن أي مواجهة مباشرة مع واشنطن وتل أبيب ستؤدي إلى انهيار سريع للطرف الآخر. لكن الحرب التي استمرت أربعين يوماً أظهرت أن هذه الصورة، على الأقل تجاه إيران، بعيدة عن الواقع. فإطالة أمد الحرب، وعدم القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة، وفي النهاية التحرك نحو وقف إطلاق النار، كلها كانت مؤشرات على تآكل القوة الردعية الأمريكية والصهيونية.
وفي غضون ذلك، اكتسبت قضية مضيق هرمز أهمية خاصة. كان أحد الأهداف الخفية للحرب هو الحد من النفوذ الاستراتيجي لإيران في هذا الممر الحيوي للطاقة. لكن يفشل هذا الهدف فحسب، بل بعد الحرب، أصبح دور إيران في المعادلات الأمنية للخليج الفارسي محط اهتمام أكبر من أي وقت مضى. والآن، يعترف العديد من المحللين الغربيين بأن أي ترتيبات مستقرة في المنطقة لن تتشكل دون الأخذ بعين الاعتبار مكانة إيران. وهذا الأمر بحد ذاته هو دليل واضح على فشل مشروع عزل إيران.
إعادة تعريف التحالفات الإقليمية
من ناحية أخرى، أدت الحرب الأخيرة أيضاً إلى إعادة تعريف بعض التحالفات الإقليمية. فالبلدان التي كانت تحاول في السابق التحرك في إطار سياسة "الضغط الأقصى" ضد إيران، اتخذت نهجاً أكثر حذراً بعد رؤية التكاليف الباهظة للحرب. أدركت العديد من الفاعلين في المنطقة أن زعزعة الاستقرار على نطاق واسع ضد إيران لا تستهدف أمن طهران فحسب، بل ستعرض المنطقة بأسرها لأزمة. هذا الأمر دفع بعض العمليات الدبلوماسية والإقليمية إلى أن تسير بوتيرة أسرع بعد الحرب.
على الصعيد الداخلي أيضاً، وعلى عكس ما تصوره واضعو الحرب، لم ينهار المجتمع الإيراني. فبالرغم من أن الضغوط الاقتصادية والنفسية كانت ثقيلة، إلا أن الأجواء العامة في البلاد تحركت نحو نوع من التضامن في مواجهة التهديد الخارجي. لقد تجلت مرة أخرى التجربة التاريخية للإيرانيين في مواجهة الضغوط الخارجية، وتلاشت العديد من الانقسامات التي كان الأعداء يراهنون عليها في مواجهة الخطر الخارجي. كان هذا أحد أهم الأخطاء الحسابية لأمريكا والكيان الصهيوني؛ فقد حللا المجتمع الإيراني فقط من خلال الحرب الإعلامية والفضاء الافتراضي، وتغاضيا عن فهم الطبقات العميقة من هويته وتاريخه.
غياب فعالية استراتيجية "الضربة السريعة والحاسمة"
كما أظهرت الحرب الأخيرة أن استراتيجية "الضربة السريعة والحاسمة" ضد إيران تفتقر إلى الفعالية اللازمة. كان التصور الأولي هو أنه بمجموعة من الهجمات الثقيلة، سيتعطل هيكل القيادة والقدرة على الرد الإيرانية، وسيجبر طهران على قبول شروط الطرف المقابل. لكن استمرار الردود الإيرانية والحفاظ على القدرة التشغيلية طوال الحرب ألقى بظلاله من الشك على هذه الفرضية. والآن، يحذر حتى بعض المحللين الغربيين من أن أي صراع أوسع مع إيران قد يخلق تكاليف تفوق التقديرات الأولية لأمريكا وحلفائها.
وهناك نقطة أخرى مهمة وهي تأثير هذه الحرب على الرأي العام العالمي. فعلى عكس السنوات الماضية حيث كانت الرواية الغربية مسيطرة إلى حد كبير على الأجواء الإعلامية الدولية، تلقى هذه المرة العديد من الجماهير، وخاصة في المنطقة والدول المستقلة، رواية مختلفة عن الحرب. إن صور مقاومة إيران، واستمرار الردود، وكذلك عجز أمريكا والكيان الصهيوني عن تحقيق أهدافهما المعلنة، تسببت في انهيار رواية "النصر السريع" تدريجياً. حتى داخل أمريكا، ازدادت الانتقادات بشأن تكاليف الحرب وعدم وجود مكاسب واضحة.
الخلاصة
اليوم، وبعد ثلاثة أشهر من بداية ذلك العدوان، يمكن رؤية أكثر من أي وقت مضى أن مشروع "إخضاع إيران" لم يكن عقيماً فحسب، بل جاء بنتيجة عكسية. فالحرب التي كان من المفترض أن تضعف القوة الإقليمية لإيران، أدت في النهاية إلى زيادة دور وأهمية إيران في المعادلات الإقليمية. والحرب التي كان هدفها خلق شقاق داخلي، أدت إلى تعزيز التماسك في مواجهة التهديد الخارجي. والحرب التي كان من المفترض أن ترسخ الردع الأمريكي والصهيوني، تحولت الآن إلى رمز لمحدودية قوتهما.
ربما أهم رسالة لهذه التطورات هي أن عصر اتخاذ القرارات الأحادية حول مستقبل المنطقة قد انتهى. إن حقائق غرب آسيا الجديدة تظهر أنه لا قوة، بالاعتماد على التفوق العسكري، يمكنها فرض إرادتها على شعوب المنطقة. إن حرب الأربعين يوماً ضد إيران كشفت أيضاً، أكثر من أي شيء آخر، حقيقة أن المعادلات الجديدة في المنطقة أصبحت أكثر تعقيداً مما يمكن تصميمه في غرف التفكير في واشنطن وتل أبيب. والآن، نفس وسائل الإعلام التي كانت تتحدث ذات يوم عن "الانهيار الوشيك لإيران" مضطرة إلى الاعتراف بفشل حساباتها؛ فشل ليس فقط هزيمة عسكرية، بل انهيار وهم استراتيجي.
/انتهى/
تعليقك