وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: يُعدّ سماحة العلامة السيد محمد المذخور الياسري من الشخصيات العلمية والفكرية البارزة المنتمية إلى مدرسة النجف الأشرف، التي جمعت بين عمق الفقه ووعي الواقع واستشراف قضايا الأمة، فهو أستاذ في الحوزة العلمية وأكاديمي حاصل على شهادات العليا، إلى جانب حضوره الفكري والسياسي بوصفه أحد القيادات البارزة في حزب الدعوة الإسلامية.
وقد جمع السيد الياسري في مسيرته بين التحصيل الحوزوي الرصين والدراسة الأكاديمية والتجربة الرسالية والحركية، ما منحه رؤية متكاملة تجاه القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية المعاصرة، وفي هذا الحوار مع وكالة مهر للأنباء، يتحدث عن طبيعة العلاقة العراقية الإيرانية، وتداعيات رحيل القادة التاريخيين، وموقف العراق من أزمات المنطقة، والدور الذي يمكن أن تضطلع به النجف الأشرف في ترسيخ الاستقرار وصناعة السلام.
تاريخياً تتقاطع مرة وتتكامل أخرى في أدبيات حزب الدعوة الإسلامية أبعاد الهوية الوطنية العراقية مع عمق الفضاء الإسلامي الإقليمي، كيف يعيد الحزب اليوم صياغة معادلة التوازن في علاقته مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
من الضروري تصحيح طريقة طرح المسألة، فالعلاقة بين الهوية العراقية والانتماء الإسلامي ليست علاقة تنافس بل علاقة تكامل، فالإسلام لا يلغي الأوطان، والانتماء الوطني لا يعني الانغلاق عن محيط الأمة.
العراق يحمل إرثاً حضارياً وإسلامياً كبيراً، وتحتضن أرضه النجف الأشرف التي كانت منارة للفكر الإسلامي والاعتدال، لذلك ننظر إلى العراق بوصفه جسراً للتقارب بين شعوب المنطقة لا ساحةً للصدام.
أما العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية فهي تستند إلى الجغرافيا والدين والتاريخ والمصالح المشتركة، وقد كان لها دور مهم في محطات مفصلية، خصوصاً في مواجهة الإرهاب، لكن متانة العلاقة لا تُقاس بمدى تأثير طرف في قرار الآخر، بل بمدى احترام السيادة والاستقلال.
نحن نعدّ السيادة مسؤولية وطنية وشرعية، وفي الوقت نفسه نرى أن العلاقة مع إيران علاقة استراتيجية ينبغي أن تُدار بمنطق المصالح المشتركة وحسن الجوار والاحترام المتبادل، معادلتنا واضحة، التمسك بسيادة العراق واستقلال قراره، مع بناء أفضل العلاقات مع إيران وسائر دول الجوار والعالم الإسلامي.
كيف تلقيتم نبأ رحيل سماحة السيد الخامنئي؟ وما تأثير ذلك على محور المقاومة وعلى توازنات المنطقة؟
فقدان القادة الذين ارتبطوا بمراحل مفصلية من تاريخ الأمة لا يقتصر أثره على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الوجدان والوعي الجمعي للشعوب، واستشهاد شخصية بمستوى السيد الخامنئي يمثل حدثاً كبيراً لما كان له من حضور ديني وسياسي ودور مؤثر في قضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين ودعم قوى المقاومة.
إنسانياً، يبعث هذا الحدث على الأسى، لأن رحيل الشخصيات التي أفنت أعمارها في خدمة المبادئ يمثل خسارة لمرحلة كاملة من التجربة السياسية والفكرية.
أما سياسياً، فلا ينبغي الاعتقاد بأن رحيل قائد كبير يعني انهيار المشروع الذي كان يقوده. فالمشاريع القائمة على المبادئ والمؤسسات تمتلك القدرة على الاستمرار رغم تعاقب القيادات.
ومن الطبيعي أن يترك هذا الحدث أثراً نفسياً ومعنوياً على محور المقاومة، لأن السيد الخامنئي كان يمثل مرجعية وثباتاً لكثير من أطرافه، لكن التجارب التاريخية تؤكد أن قوة المشاريع تُقاس بقدرتها على تجاوز المحن.
العراق سيكون من أكثر الساحات تأثراً بهذه التطورات بحكم موقعه وامتداداته الدينية والإقليمية، ما يستدعي إدارة المرحلة بعقل راجح وبصيرة نافذة، والمنطقة مقبلة على مرحلة دقيقة تتطلب مراجعة الحسابات واختبار متانة التحالفات، وهنا تتجلى قيمة الحكمة والقيادة الرشيدة.
كيف تقيّمون الموقف الرسمي العراقي تجاه إيران خلال الحرب الأخيرة؟ وهل نجحت بغداد في الموازنة بين التضامن وتجنب الانخراط في الصراع؟
الإسلام لا يريد للسياسة أن تكون ساحة للمساومات المجردة ولا للعواطف المنفلتة، بل يعدّها مسؤولية شرعية وأمانة إلهية، لذلك ينبغي أن تُقرأ المواقف السياسية وفق معيار المصلحة الحقيقية والمبدأ معاً.
القرآن الكريم يدعو إلى نصرة المظلوم ومواجهة الظلم، لكن الإسلام في الوقت نفسه يربط السياسة بالحكمة والبصيرة وحسن تقدير العواقب.
أرى أن الحكومة العراقية كانت أمام مسؤوليتين متلازمتين، الأولى إدانة العدوان بوضوح انسجاماً مع القيم الإسلامية والوطنية، والثانية حماية العراق من التحول إلى ساحة حرب يدفع شعبه ثمنها.
الخلل لا يكون في الجمع بين الواجبين، بل في التفريط بأحدهما على حساب الآخر، فليس صحيحاً أن تذوب المبادئ باسم المصلحة، كما ليس صحيحاً رفع الشعارات بطريقة تعرّض البلاد للهلاك.
العراق ليس بلداً معزولاً عن أمته، لكنه أيضاً مسؤول عن شعب عانى من الحروب والدمار. والسياسة الشرعية لا تعني الاختيار بين المبدأ والمصلحة، بل جعل المصلحة الحقيقية في خدمة المبدأ.
واليوم يحتاج العراق إلى قرار مستقل وموقف أخلاقي واضح، فالقوة الحقيقية تكمن في الإرادة الحرة والثبات على الحق وحسن إدارة الأزمات.
كيف تنظرون إلى مستقبل الاستقرار الإقليمي بعد هذه الحرب؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه النجف الأشرف في صناعة السلام؟
من أكبر أخطاء الفكر السياسي المعاصر أنه فصل بين الأخلاق والسياسة، بينما ترى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أن السياسة جزء من التكليف الشرعي لأنها تتصل بمصائر الناس ومستقبلهم.
النجف الأشرف لم تكتسب مكانتها لأنها مركز للفتوى فحسب، بل لأنها كانت ضمير الأمة، تقف مع الحق وتدعو إلى الإصلاح وتمنع الانزلاق إلى الفتن، لقد بنت نفوذها بالعلم والاستقلال والصدق، لا بالقوة والسلاح.
ما بعد الحرب يمثل امتحاناً أخلاقياً وحضارياً للمنطقة، فالحروب لا تدمر المدن فقط، بل تُحدث تصدعاً في منظومة القيم. والخطر الحقيقي ليس في الخراب المادي بل في خراب الضمير.
السلام الحقيقي لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يقوم على العدالة وصيانة الحقوق وحفظ سيادة الدول ورفض الاحتلال والعدوان، فالسلام القائم على الظلم ليس سلاماً، بل تأجيل لأزمات جديدة.
النجف تمتلك رسالة فريدة لأنها تتحرك من منطلق الشهادة على الأمة لا من منطلق التنافس على النفوذ، وإذا حافظت على استقلالها العلمي والروحي فستبقى مرجعية أخلاقية تدفع نحو الحوار والإصلاح وتغليب منطق الحكمة على السلاح.
إن مشروع السلام الذي نطمح إليه هو مشروع لإعادة بناء الإنسان قبل أي شيء آخر، لأن الإنسان إذا صلح ضميره صلحت سياسته واستقامت علاقاته، وما تحتاجه المنطقة اليوم هو العدل والحكمة أكثر مما تحتاج إلى مزيد من الصراعات.
اخيراً..
في ختام هذا الحوار، يؤكد السيد محمد الياسري أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على منطق القوة وحده، بل على موازنة دقيقة بين العدالة والحكمة والسيادة الوطنية. ويرى أن العراق، بما يمتلكه من مكانة دينية وحضارية، قادر على أن يكون عامل استقرار وتوازن في محيطه، فيما تبقى النجف الأشرف، برصيدها العلمي والروحي، مؤهلة للقيام بدور أخلاقي ورسالي في ترسيخ ثقافة الحوار وصناعة السلام، والدفاع عن كرامة الإنسان وقيم العدالة في زمن التحولات الكبرى.
/انتهى/
تعليقك