وکالة مهر للأنباء: أدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الولايات المتحدة، مع شنّ الحرب على إيران، في مواجهة لا تزال إمكانية تحقيق أهدافها الاستراتيجية محاطة بغموض كبير. فبعد مرور أشهر على اندلاع هذا الصراع، لم تنجح الضغوط العسكرية في دفع طهران إلى قبول جميع مطالب واشنطن، كما لم تؤدِّ تهديدات الرئيس الأميركي المتكررة إلى إنهاء الأزمة سريعاً. وتشير تقارير وتحليلات وسائل الإعلام الأميركية أيضاً إلى صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى انتصار استراتيجي. غير أن تحديات ترامب لا تقتصر على تداعيات المواجهة مع إيران، إذ إن سياساته الاقتصادية ونهجه القائم على الهيمنة في التعامل مع جيران الولايات المتحدة يعرّضان أسس قوة بلاده لخطر التآكل.
ان مجلة «فورين أفيرز» تناولت في تقرير لها تداعيات سياسات ترامب في أميركا الشمالية، مؤكدة ضرورة إعادة بناء العلاقات بين واشنطن وجيرانها. ووفقاً للتقرير، أعادت الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية الصادرة عن الحكومة الأميركية إحياء المخاوف التاريخية لدى المكسيك من التدخلات الأميركية ونزعة الهيمنة التي يتبناها جارتها الشمالية القوية. أما في كندا، فقد أثارت تصريحات ترامب بشأن تحويل البلاد إلى الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة مخاوف تتعلق بالاستقلال الوطني والسيادة الاقتصادية.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن الولايات المتحدة لا تعتمد في الحفاظ على مكانتها العالمية على قوتها العسكرية وحجم اقتصادها فحسب، بل تشكل شبكة علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع حلفائها وجيرانها جزءاً من قدراتها الاستراتيجية أيضاً. وعندما تلجأ الحكومة الأميركية إلى الرسوم الجمركية الباهظة والتهديد والضغط لفرض مطالبها، بدلاً من تعزيز الثقة المتبادلة، فقد تتمكن من تحقيق بعض المكاسب على المدى القصير، لكنها تزيد على المدى الطويل دوافع شركائها إلى تقليص اعتمادهم على واشنطن.
تحويل الشراكة إلى أداة للضغط
يقوم نهج ترامب في العلاقات الخارجية إلى حد كبير على افتراض أن كل علاقة يجب أن تحقق مكاسب مباشرة للولايات المتحدة، وأن على واشنطن أن تحتفظ دائماً باليد العليا في المفاوضات. ويحوّل هذا المنظور العلاقات الدولية إلى صفقة لا يُقاس فيها التعاون على أساس المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة، بل بمقدار التنازلات التي يكون الطرف الآخر مستعداً لتقديمها.
وقد يؤدي هذا النهج إلى نتائج عكسية، خصوصاً في التعامل مع الدول التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات اقتصادية وجغرافية عميقة. فكندا والمكسيك ليستا مجرد دولتين مجاورتين للولايات المتحدة، بل تعتمد سلاسل الإنتاج والتجارة والاستثمار والتوظيف في أميركا الشمالية بدرجة كبيرة على العلاقات بين الدول الثلاث. ومن شأن زعزعة استقرار هذه العلاقات أن تنقل تكاليفها أيضاً إلى الشركات والمستهلكين والعمال الأميركيين.
كما توصل التهديدات بفرض الرسوم الجمركية واستخدام الاعتماد الاقتصادي لأغراض سياسية رسالة إلى شركاء واشنطن مفادها أن حتى علاقات التعاون الراسخة ليست بمنأى عن التغيرات السياسية في البيت الأبيض. وفي ظل هذه الظروف، قد تسعى الحكومات الأخرى إلى إيجاد أسواق بديلة، وتنويع شركائها التجاريين، وتقليل تعرضها للمخاطر الناجمة عن القرارات الأميركية الأحادية. وهكذا، فإن الأداة التي يستخدمها ترامب لتعزيز القدرة التفاوضية لواشنطن قد تؤدي تدريجياً إلى إضعاف جانب من نفوذها الاقتصادي.
الترابط بين الأزمة العسكرية وتآكل المصداقية العالمية
يمكن دراسة تداعيات هذا النهج بالتوازي مع المشكلات التي تسببت بها الحرب مع إيران لحكومة ترامب. فالتفوق العسكري الأميركي لا يضمن بحد ذاته قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها السياسية. إذ إن القدرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق تختلف عن القدرة على إجبار الطرف الآخر على الاستسلام. وعندما يطول أمد المواجهة وتظل الأهداف المعلنة دون تحقيق، يمكن أن تؤثر الفجوة بين التصريحات السياسية والنتائج العملية في مصداقية صانعي القرار.
وفي الحرب مع إيران، أبرز استمرار المواجهة والتكاليف الاقتصادية والمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة حدود استخدام القوة العسكرية لحل الخلافات السياسية. كما تناولت تقارير وسائل الإعلام الأميركية الصعوبات التي تواجهها حكومة ترامب في تحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج استراتيجية. ومن هذا المنظور، لا تقتصر المسألة على حجم الأضرار التي لحقت بالطرف المقابل، بل يتمثل السؤال الأهم في مدى نجاح العمليات العسكرية في إقامة النظام السياسي والأمني الذي تسعى إليه واشنطن.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أيضاً بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة. فالدول التي ربطت أمنها ومصالحها الاقتصادية بالسياسات الأميركية تجد نفسها مضطرة إلى تقييم تكاليف قرارات الحكومة الأميركية وتداعياتها. وإذا أدت السياسات العسكرية والاقتصادية لواشنطن إلى زيادة حالة عدم الاستقرار، فسيصبح التساؤل أكثر إلحاحاً بشأن مدى انسجام الدعم غير المشروط للولايات المتحدة مع المصالح الوطنية لهذه الدول.
قوة تحتاج إلى الثقة
في نهاية المطاف، يكمن التناقض الأساسي في سياسة ترامب في تعريفه المحدود للقوة. فهو يسعى إلى تعزيز القدرة التفاوضية للولايات المتحدة من خلال زيادة الضغوط على الدول الأخرى، لكن القوة المستدامة لا تتحقق بمجرد القدرة على تحميل الآخرين التكاليف. فثقة الحلفاء، وإمكانية التنبؤ بالسياسة الخارجية، والاطمئنان إلى الوفاء بالالتزامات، كلها عناصر مهمة في النفوذ العالمي.
وتشير مجلة «فورين أفيرز»، من خلال تأكيدها ضرورة التعامل باحترام مع الجيران وإعادة بناء الشراكات الثنائية، إلى هذه المسألة تحديداً. فالعلاقات الودية مع كندا والمكسيك يمكن أن تعزز أمن الحدود، وتزيد المصالح الاقتصادية المشتركة، وتسهل التعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود. وعلى العكس من ذلك، فإن إضعاف هذه العلاقات يفرض تكاليف لا تقتصر على الدولتين المجاورتين، بل قد يقلص القدرة الإجمالية للولايات المتحدة على المنافسة مع القوى العالمية.
وبناءً على ذلك، ينبغي النظر إلى تآكل مكانة الولايات المتحدة في ضوء الترابط بين عدة عوامل، أبرزها صعوبة تحقيق الأهداف الاستراتيجية في المواجهة مع إيران، وارتفاع التكاليف الاقتصادية للسياسات التصادمية، وتراجع الثقة في العلاقات مع الشركاء التقليديين. ولا تعني هذه العوامل، كل على حدة، نهاية التفوق العالمي الأميركي، لكنها تظهر أن الاعتماد على التهديد والإكراه، من دون مراعاة المصالح المتبادلة والتداعيات طويلة الأمد، قد يؤدي إلى إضعاف الأسس التي تقوم عليها قوة واشنطن نفسها. وفي محاولته فرض الإرادة الأميركية، قد يدفع ترامب شركاء بلاده إلى الابتعاد عنها، وهو تناقض ستتجاوز تكاليفه فترة رئاسته.

تعليقك