٠٢‏/١١‏/٢٠٢٦، ٥:٢٣ م

ماكرون ينسى الوصفة التي وصفها لإيران.. ازدواجية المعايير الأوروبية في التعامل مع حرية الإعلام

ماكرون ينسى الوصفة التي وصفها لإيران.. ازدواجية المعايير الأوروبية في التعامل مع حرية الإعلام

أبرزت مواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة بشأن الدور السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي في الاحتجاجات بفرنسا، تناقضاً في نهج الحكومات الأوروبية تجاه حرية الإعلام والاحتجاجات الاجتماعية بين إيران وأوروبا.

وكالة مهر للأنباء: ان فرنسا تواجه مجدداً تحدياً جدياً في إدارة الاحتجاجات الاجتماعية، من المطالب التعليمية للطلاب إلى الاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية، وسط اتساع رقعة التظاهرات واندلاع مواجهات بين المحتجين وقوات الشرطة. وفي خضم هذه التطورات، أثارت تصريحات ماكرون بشأن الدور السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي في اندلاع الاضطرابات وتصاعدها تساؤلات حول ازدواجية المعايير الأوروبية في التعامل مع الإعلام والاحتجاجات.

وتأتي هذه التصريحات في وقت لم يمض فيه سوى بضعة أشهر على تأكيد المسؤولين الأوروبيين، ومن بينهم الرئيس الفرنسي، ضرورة ضمان حرية التعبير والوصول إلى المعلومات وحق التظاهر، بالتزامن مع احتجاجات يناير 2026 في إيران. ففي ذلك الوقت، كانت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي من أبرز أدوات نقل أخبار الاحتجاجات الإيرانية، فيما قوبلت القيود المفروضة على الوصول إلى الإنترنت بانتقادات من الحكومات الغربية.

أما اليوم، ومع اتساع الاحتجاجات داخل فرنسا، يتحدث الرئيس الفرنسي عن شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها عاملاً يسهم في استقطاب المجتمع وحشد العناصر التي وصفها بالأسوأ في المجتمع، وهو تحول في الخطاب السياسي يكشف تناقضات في المعايير التي تعلنها الدول الأوروبية بشأن حرية الإعلام.

الاحتجاجات بدأت من المدارس ووصلت إلى الشوارع

شهدت فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة موجة من الاحتجاجات الاجتماعية، بدأ جانب منها بمطالب تعليمية واستياء الطلاب من أوضاع المدارس، قبل أن تتسع رقعتها مع انضمام فئات اجتماعية مختلفة إليها.

ويعبر الطلاب الفرنسيون عن استيائهم من نقص الإمكانات التعليمية، وسوء البنية التحتية للمدارس، ومشكلات النظام التعليمي، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بمستقبلهم الدراسي. ويكشف حضور هذه الفئة في التظاهرات الأخيرة عن امتداد حالة الاستياء من أداء المؤسسات العامة إلى جيل الشباب، الذي يتطلع إلى الحصول على إمكانات تعليمية تتناسب مع احتياجاته.

ومع اتساع الاحتجاجات، تحولت المطالب الاقتصادية أيضاً إلى محور رئيسي للتظاهرات، حيث أسهم ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة أسعار السلع والضغوط المعيشية في دفع المزيد من المواطنين إلى الشوارع.

وهكذا، تحولت المطالب التي بدأت بصبغة مهنية وتعليمية إلى احتجاجات أوسع على الأوضاع الاقتصادية وأداء الحكومة.

وبحسب التقارير المنشورة، خرج أكثر من 400 ألف شخص يوم السبت 24 أكتوبر، في مختلف أنحاء فرنسا، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية ونقص ميزانية المدارس. وشهدت بعض المناطق مواجهات، فيما أقدمت الشرطة على اعتقال أعداد كبيرة من المحتجين.

ويكشف اتساع رقعة الاحتجاجات ومشاركة فئات اجتماعية مختلفة فيها عن حجم المطالب المتراكمة التي تواجه الحكومة الفرنسية، وهي مطالب لا يمكن التعامل معها بمجرد الإجراءات الأمنية أو تقييد منصات التواصل.

شبكات التواصل الاجتماعي في قفص الاتهام

في خضم هذه الاحتجاجات، أدلى إيمانويل ماكرون، يوم الاثنين 26 أكتوبر، خلال زيارته إلى مدينة مارسيليا، بتصريحات بشأن دور شبكات التواصل الاجتماعي في اندلاع الاضطرابات وتصعيدها.

وانتقد الرئيس الفرنسي أداء هذه المنصات، قائلاً: «إن شبكات التواصل الاجتماعي تضر بديمقراطياتنا، لأنها تؤدي إلى الاستقطاب، وتخلق نوعاً من الصدمة والشلل أمام مشاهد العنف، ولأن بعض هذه المنصات أصبحت أداة لحشد أسوأ العناصر في المجتمع».

كما أشار ماكرون إلى أحداث 17 أكتوبر، مدعياً أن شبكات التواصل الاجتماعي استُخدمت لحشد الشباب وحتى كبار السن في مواقع الجرائم والاعتداءات وأعمال النهب. ويرى أن نشر مشاهد العنف وتداول صور الأحداث عبر هذه المنصات يؤدي إلى نوع من اللامبالاة تجاه واقع العنف.

وتأتي هذه المواقف في وقت أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة من أهم أدوات الاتصال ونقل المعلومات في المجتمعات المختلفة. فإلى جانب نشر الأخبار، تتيح هذه المنصات طرح المطالب العامة وتنظيم التجمعات ونقل المعلومات بسرعة، وهي إمكانات يمكن، رغم فوائدها، أن تُستغل من قبل جماعات تمارس العنف أو تنشر معلومات مضللة.

ومع ذلك، فإن اختزال دور شبكات التواصل الاجتماعي في الاحتجاجات بمجرد التحريض على العنف، دون الالتفات إلى الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لحالة الاستياء، لا يقدم تحليلاً شاملاً للتطورات الأخيرة في فرنسا.

احتجاجات يناير في إيران.. عندما أصبحت حرية الإعلام مطلباً أوروبياً

لفهم المواقف الأخيرة لماكرون بصورة أدق، ينبغي العودة إلى الأشهر الماضية واحتجاجات يناير 2026 في إيران، حين اتخذت الحكومات الأوروبية مواقف متعددة بشأن حرية التعبير وحق الاحتجاج ووصول المواطنين إلى الإنترنت.

ففي تلك الفترة، أدان إيمانويل ماكرون، إلى جانب قادة ألمانيا وبريطانيا، في بيان مشترك، التعامل العنيف مع المحتجين، ودعا إلى ضمان حرية التعبير والتجمع السلمي.

كما أكد وزراء خارجية مجموعة السبع، في بيان منفصل، قلقهم إزاء التطورات في إيران، وشددوا على حقوق المواطنين وضرورة الوصول الحر إلى المعلومات.

وفي المشهد الإعلامي آنذاك، تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى واحدة من أبرز منصات نشر الصور والأخبار المتعلقة بالاحتجاجات الإيرانية. وانتقدت وسائل الإعلام الدولية والمسؤولون الغربيون القيود المفروضة على الإنترنت في إيران، وقدموا وصول المواطنين بحرية إلى المعلومات باعتباره أحد حقوقهم الأساسية.

وبذلك، تركز جانب كبير من الخطاب السياسي الأوروبي في تلك المرحلة على ضرورة ضمان التدفق الحر للمعلومات ودور وسائل الإعلام في نقل المطالب الاجتماعية.

وسيلة إعلام واحدة.. وقراءتان مختلفتان

إن الاختلاف بين مواقف المسؤولين الفرنسيين من دور شبكات التواصل الاجتماعي في إيران وفرنسا يطرح سؤالاً أساسياً أمام الرأي العام: هل يستند تقييم أداء وسائل الإعلام إلى مبادئ ثابتة مرتبطة بحرية التعبير وحقوق المواطنين، أم يتغير وفقاً للموقع السياسي والجغرافي للاحتجاجات؟

إذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي في إيران تمثل منصة لنقل مطالب المواطنين والتعبير عن احتجاجاتهم، فلماذا يثير استخدام الإمكانات نفسها في فرنسا كل هذه المخاوف لدى المسؤولين الحكوميين؟

وفي ظل خروج الطلاب الفرنسيين إلى الشوارع للتعبير عن مطالبهم التعليمية، يمكن لشبكات التواصل الاجتماعي أن توفر وسيلة للإعلام والتنسيق وإيصال أصواتهم. ولا يمكن اعتبار هذه الوظيفة، بحد ذاتها، دليلاً على أن هذه المنصات تقوض الديمقراطية.

كما تشكل مسألة الوصول إلى الإنترنت جانباً آخر من أوجه التناقض. ففي أثناء احتجاجات يناير في إيران، أثارت القيود المفروضة على الإنترنت ردود فعل أوروبية، حيث شدد المسؤولون على ضرورة تمكين المواطنين من الوصول إلى المعلومات والتواصل بحرية.

وفي المقابل، تواجه الحكومات عادة، خلال الأزمات، مجموعة من الاعتبارات الأمنية والشرطية المتعلقة بإدارة الفضاء الاتصالي. وفي مثل هذه الظروف، تتحول العلاقة بين الأمن العام والحقوق الاتصالية للمواطنين إلى أحد محاور الجدل الرئيسية.

ومع ذلك، لا يمكن قبول أن يصبح الوصول الحر إلى الإنترنت قضية دولية لمجرد أهميته في نقل الاحتجاجات في بلد ما، بينما يُنظر إلى دور شبكات التواصل الاجتماعي في نشر الدعوات الاحتجاجية في بلد آخر باعتباره تهديداً للنظام العام والديمقراطية.

وإذا كانت الحكومة الفرنسية ترى أن شبكات التواصل الاجتماعي قد تهدد الأمن العام من خلال نشر المعلومات المضللة أو التحريض على العنف، فينبغي أن يؤخذ هذا القلق في الاعتبار أيضاً عند تحليل التطورات في الدول الأخرى. وبالمثل، إذا كان الوصول الحر إلى المعلومات حقاً للمواطنين الإيرانيين، فإن المواطنين الفرنسيين يجب أن يتمتعوا بالحق نفسه.

مضيق هرمز والضغوط الاقتصادية.. أزمات تتجاوز حدود إيران

عند دراسة الأوضاع الاقتصادية في فرنسا واتساع حالة الاستياء الاجتماعي، لا يمكن إغفال التطورات الإقليمية وتداعيات الحرب التي استمرت أربعين يوماً في إيران.

ففي أعقاب الحرب والاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، واجهت أسواق الطاقة العالمية تقلبات وضغوطاً ملحوظة. ونظراً للأهمية الاستراتيجية لهذا الممر في نقل النفط والغاز، انعكست أي قيود على حركة الملاحة فيه على الأسواق العالمية وتكاليف النقل والإنتاج.

كما أسهم ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط على سلاسل الإمداد، إلى جانب المشكلات الاقتصادية السابقة في الدول الأوروبية، في زيادة الأعباء على الأسر. ولم تكن فرنسا بمنأى عن هذه التطورات الاقتصادية وتداعياتها.

ومن هذا المنطلق، ينبغي دراسة الاحتجاجات الأخيرة في فرنسا في إطار مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تضافرت لتوسيع نطاق الاستياء الشعبي.

ازدواجية المعايير في الدفاع عن حرية الإعلام

أعادت تصريحات ماكرون الأخيرة طرح مسألة ازدواجية المعايير في السياسة الخارجية للدول الغربية. فالحكومة الفرنسية تتحدث اليوم عن التأثير السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي على الديمقراطية، في حين كانت من بين الحكومات التي أكدت، خلال احتجاجات إيران، ضرورة وصول المواطنين بحرية إلى الإنترنت وتداول المعلومات.

ولا يمكن إنكار الدور السلبي لبعض المحتويات المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي، مثلما لا يمكن تجاهل قدرة هذه الوسائل على نقل المعلومات والتعبير عن المطالب وتعزيز المشاركة الشعبية. وتكمن القضية الأساسية في التمييز بين هذه الوظائف والابتعاد عن الأحكام السياسية والانتقائية.

وعلى ماكرون وغيره من المسؤولين الأوروبيين توضيح ما إذا كانت مخاوفهم بشأن شبكات التواصل الاجتماعي تنطلق من مبدأ ثابت لحماية الأمن وسلامة الفضاء العام، أم أنها تتصاعد عندما تتحول هذه المنصات إلى وسيلة للتعبير عن الاستياء من أداء حكوماتهم.

فإذا كانت حرية الإعلام وحق الاحتجاج من المبادئ الأساسية للديمقراطية، فلا يمكن أن تقتصر المطالبة بهما على التعامل مع حكومات الدول الأخرى. إذ لا تكتسب الديمقراطية معناها الحقيقي إلا عندما تلتزم الحكومات بمنح شعوبها الحقوق نفسها التي تطالب بها لمواطني الدول الأخرى.

وفي نهاية المطاف، تكشف الاحتجاجات الفرنسية ومواقف الرئيس الأخيرة أن قضية الإعلام وحرية المعلومات لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه الديمقراطيات الغربية، وهو تحدٍّ يرتبط تجاوزه، قبل كل شيء، بمدى التزام الحكومات عملياً بالمعايير والمبادئ التي تعلن الدفاع عنها.

انتهى/

رمز الخبر 1975198

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha