أفادت وكالة مهر للأنباء أن السيد عباس عراقجي، وزير الخارجية، ألقى كلمة في الجلسة الثانية لوزراء خارجية دول "بريكس" بعنوان "إعادة بناء النظام العالمي؛ ضرورة إصلاح الحوكمة الدولية وإحياء التعددية"، وفيما يلي النص الكامل للكلمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس، الزملاء الأعزاء؛
إن العالم اليوم يعيش فترة من عدم الاستقرار الهيكلي وأزمة عميقة في الثقة. إن الهياكل التي تحكم النظام الدولي، والتي صُممت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد قادرة على الاستجابة لحقائق القرن الحادي والعشرين. إن الفجوة بين القوى الناشئة وهياكل صنع القرار التقليدية لا تهدد الاستقرار العالمي فحسب، بل تغذي أيضاً الظلم المستشري في توزيع القوة والثروة وفرص التنمية.
زملائي الأعزاء؛
ما نشهده اليوم في بعض المؤسسات الدولية ليس "تعددية"، بل هو محاولة للحفاظ على "أحادية القطب" تحت غطاء القوانين الدولية. إن الاستخدام الأداتي للقوانين، وفرض العقوبات الأحادية، وتجاهل حقوق الدول وسيادتها الوطنية، كلها علامات على أزمة عميقة في الحوكمة العالمية. إن النظام الذي يترك القرارات الحيوية للبشرية لمجموعة محدودة من الدول ويتجاهل مصالح الدول النامية، قد فقد شرعيته. هذا النهج القائم على القوة فقط لا يضمن السلام، بل هو الجذر الرئيسي للتوترات الإقليمية والعالمية.
في هذا السياق، لا يمكن التغاضي عن أحد الأدوات الرئيسية لزعزعة الاستقرار العالمي: العقوبات الأحادية. لقد تحولت العقوبات اليوم من أدوات دبلوماسية إلى أسلحة للحرب الاقتصادية والضغط على المجتمعات النامية والمستقلة. هذه الإجراءات، التي تُنفذ في انتهاك صريح للقوانين الدولية، لا تستهدف الحكومات فحسب، بل تستهدف أيضاً الحقوق الأساسية للإنسان – بما في ذلك الحق في الحياة، والحق في الحصول على الصحة والغذاء والتنمية. إن العقوبات المفروضة على الأمم هي إجراءات غير قانونية ومخلّة بالنظام الاقتصادي العالمي، هدفها يتجاوز حل النزاعات وممارسة الضغط لتغيير السلوك السياسي. تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن مواجهة هذا "الإرهاب الاقتصادي" وإنشاء آليات مالية مستقلة في إطار "بريكس" هو ضرورة لا يمكن إنكارها للحفاظ على استقلال وسيادة الدول الوطنية.
سيداتي وسادتي؛
إن العالم اليوم يشهد عودة إلى عصر الحروب التي لا نهاية لها، والعنف المكشوف، والأحادية القطبية المتطرفة. لقد تلاشت مُثُل السلام والحرية واحترام حقوق الإنسان وكرامته، وحل محلها الافتخار بالإبادة الجماعية والنهب والعدوان. لقد تقلص تطبيق القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة من قبل المعتدين الأقوياء إلى مجرد ألفاظ وأكاذيب لتبرير الحرب والاحتلال. إن معظم المنظمات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة، ترى سلطتها التشريعية تضيق بسبب البلطجة الأحادية الجانب.
في ظل هذه الظروف، فإن فكرة التعددية التي ينادي بها "الجنوب العالمي"، والتي يقوم عليها "بريكس" ويتجسد فيها، أصبحت أكثر ضرورة وحياتية من أي وقت مضى من أجل احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والحوكمة العالمية. إن أعضاء مجموعة "بريكس" يلتزمون بتنفيذ والدفاع عن مبادئ هذا الميثاق.
إن مبدأ عدم استخدام القوة، كمبدأ مشرق ومحوري في ميثاق الأمم المتحدة وإنجاز بشري على طريق التجارب المريرة للحروب العالمية، يواجه الآن تحدياً خطيراً من قبل الولايات المتحدة. إن الحروب غير القانونية والأحادية التي تشنها هذه الدولة، والتي كانت قد أوصلت أساس النظام الدولي القائم على العدالة والتعددية إلى حافة الانهيار، أصبحت الآن ممزوجة بالوحشية والهمجية.
لذلك، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ضرورة إجراء إصلاحات جوهرية في المنظمات الدولية، وخاصة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فالإصلاحات التي ننشدها هي إصلاحات من أجل "توزيع عادل للسلطة"، وليست مجرد تغيير في الاسم أو في تشكيلة الأعضاء. نحن نبحث عن نظام يكون فيه:
- العدل بديلاً عن القوة،
- والسيادة الوطنية هي المبدأ الأول،
- وحقوق جميع البشر محترمة،
- والتنوع الثقافي والسياسي مقبول.
أعضاء الوفود المحترمين؛
إن النظام السياسي الحالي يحتاج إلى إعادة نظر. فمجلس الأمن اليوم هو الرمز الأبرز للعجز وعدم التوازن. والمثال الواضح على عجز هذا المجلس هو صمته إزاء الحرب المفروضة والعدوانية التي تشنها أمريكا والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. في هذه الحرب، تعرضت النساء والأطفال لهجمات منهجية ومتعمدة. وتشكل هذه الأعمال انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف الأربع، وتعد مثالاً واضحاً على جريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية.
والأكثر فداحة هو الهجوم ذو المرحلتين على مدرسة "الشهيد مطهري" للبنات في مدينة ميناب، والذي أدى إلى استشهاد 168 إنساناً بريئاً – بينهم طالبات وطلاب – خلال ساعات الدراسة وفي مكان تعليمهم.
إن العدوان العسكري الذي بدأ الساعة 9:30 من صباح يوم السبت 28 فبراير، لم يترك حتى فرصة لإغلاق المدارس وعودة الطلاب إلى منازلهم. فالحكومة الإيرانية أعلنت فور العمل الإرهابي ضد قائد الثورة وبدء العدوان العسكري، عن تعطيل شامل للمدارس، لكن المعتدين لم يمنحوا الأطفال حتى نصف ساعة للبقاء على قيد الحياة، واستهدفوا مدرسة ميناب بالهجوم الثاني.
إن الهجمات على البنى التحتية الحيوية الإيرانية – بما في ذلك المصافي، والمجمعات البتروكيماوية، والجسور، والسكك الحديدية، والملاعب الرياضية، والمراكز الثقافية والتاريخية، وخطوط نقل الطاقة، والمنشآت الصناعية المهمة – هي استمرار لهذا النهج. هذه البنى التحتية ليست مجرد منشآت فنية أو اقتصادية؛ إنها العمود الفقري للحياة اليومية للناس.
إذا صمتنا اليوم إزاء معاناة الشعب الإيراني، وإزاء الدماء التي أريقت بغير حق، وإزاء جثث الأطفال في مدارس ميناب، وإزاء الهجمات على البنى التحتية، أو تجاهلناها بناءً على اعتبارات سياسية، فإن دوامة العنف وعدم الاستقرار هذه قد تنتقل غداً إلى أي نقطة أخرى في العالم. إن الدفاع عن إيران هو دفاع عن مبدأ عالمي مفاده أن أمن أي دولة لا ينبغي أن يُبنى على أنقاض منازل ومدارس وبنى تحتية حيوية لأمة أخرى.
نحن نطلب من جميع الحكومات والمنظمات الدولية أن تقف بصوت واضح ومسؤول أمام الهجمات على المدنيين والبنى التحتية الحيوية في إيران، وأن تدافع عن سيادة القانون والعدالة والكرامة الإنسانية. على المجتمع الدولي أن يتخلى عن المعايير المزدوجة، وأن يثبت أن حياة طفل في ميناب تساوي حياة طفل في أي مكان آخر في العالم.
الزملاء الأعزاء؛
بناءً على ذلك، فإن إصلاح مجلس الأمن لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة لبقاء الأمم المتحدة. نحن نسعى إلى مجلس يتمتع بتمثيل حقيقي لجميع قارات ومناطق العالم، مجلس تُوزع فيه القوة على أساس المسؤولية والعدالة، وليس ليخدم فقط مصالح بعض القوى المستغلة والمعتدية.
وفي هذا السياق، فإن مجموعة "بريكس"، التي تمثل جزءاً كبيراً من سكان العالم واقتصاده، تمتلك إمكانات فريدة لأن تصبح العمود الفقري لتعددية حقيقية. يجب أن نعمل في "بريكس" ليس لتشكيل كتلة مواجهة، بل لخلق توازن استراتيجي. إن تعاوننا في المجالات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية يمكن أن يقلل الاعتماد على الهياكل الاحتكارية، ويوفر فضاءً جديداً للاستقلال والتنمية المستدامة. إن "بريكس" يمكن أن يكون نموذجاً للتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.
لقد حان الوقت للانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "إدارة الهيكل". نحن بحاجة إلى نظام يكون فيه السلام نتاجاً للعدالة، والاستقرار نتيجة للمشاركة الجماعية. دعونا نستخدم قدرات "بريكس" لإعادة بناء الحوكمة العالمية واستعادة المصداقية للتعددية.
شكراً لاهتمامكم.
/انتهى/
تعليقك