٠٩‏/٠٧‏/٢٠٢٦، ٨:١١ ص

من التهديد إلى الواقع؛ لماذا أصبح التهديد ضد إيران غير مجدٍ؟

من التهديد إلى الواقع؛ لماذا أصبح التهديد ضد إيران غير مجدٍ؟

عاد دونالد ترامب مجدداً، بلغة حادة، ليهدد إيران بعمل عسكري؛ مواقف يُنظر إليها، بدلاً من كونها مؤشراً على استراتيجية متماسكة، على أنها تعكس ارتباك واشنطن تجاه إيران.

وكالة مهر للأنباء: عاد دونالد ترامب مجدداً، بلغة حادة، ليهدد إيران بعمل عسكري؛ مواقف يُنظر إليها، بدلاً من كونها مؤشراً على استراتيجية متماسكة، على أنها تعكس ارتباك واشنطن تجاه إيران. واللافت أن هذه المرة، وعلى عكس الفترات السابقة، يعتبر العديد من وسائل الإعلام والمحللين الغربيين أيضاً أن تهديدات الرئيس الأمريكي تفتقر إلى الدعم العملي، ويعتقدون أن الخيار العسكري لم يعد قادراً على تحقيق أهداف أمريكا في مواجهة إيران.

في هذا السياق، كتبت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تحليل حول تصريحات ترامب الأخيرة: "ترامب، على الرغم من كل تبجحاته، ليس لديه خيار أفضل من التفاوض مع إيران. تتقلب تصريحاته بين ادعاء النصر، والتهديد بتدمير الحضارة الإيرانية، ثم دعم المفاوضات. لم تتمكن أمريكا من كسر الإرادة الإيرانية للتخلي عن مواقفها الأساسية، بما في ذلك السيطرة على مضيق هرمز. حاولت أمريكا مع إسرائيل، وفشلت في القضاء على الحكومة الإيرانية."

هذا التقييم لا يقتصر على وسيلة إعلامية واحدة. ففي الأسابيع الأخيرة، شدد جزء كبير من وسائل الإعلام والأوساط التحليلية الغربية على أنه بعد تجربة الخيار العسكري، أصبح فضاء القرار الأمريكي أكثر محدودية مما كان عليه في الماضي. فإذا كانت التهديدات العسكرية سابقاً تُطرح كأداة لزيادة الضغط على طهران، فإن هذه التهديدات تواجه اليوم أسئلة جدية حول فعاليتها وإمكانية تحقيق أهدافها.

الحقيقة أن أمريكا استخدمت، على مرحلتين، وبمجموع يقارب الشهرين، أشد مستويات الضغط العسكري والأمني ضد إيران. كان الهدف المعلن لهذه الضغوط هو تغيير سلوك الجمهورية الإسلامية، وتضعيف قدرتها الردعية، وإجبار طهران في النهاية على قبول مطالب واشنطن. لكن هذه الأهداف لم تتحقق، ولم يتغير هيكل صنع القرار الإيراني، ولم تسر المعادلات الإقليمية كما كانت أمريكا تأمل.

هذا الأمر جعل العديد من المراقبين اليوم ينظرون إلى تهديدات ترامب الجديدة، بدلاً من كونها مقدمة لعمل جديد، على أنها جزء من الحرب النفسية ومحاولة لزيادة القوة التفاوضية في الساحة الدبلوماسية. في ظل هذه الظروف، فإن تكرار خيار لم يحقق سابقاً النتيجة المرجوة لأمريكا، هو أكثر من كونه علامة على القوة، مؤشر على محدودية الأدوات الاستراتيجية لواشنطن.

من أهم تداعيات هذا الوضع هو تراجع مصداقية التهديد العسكري الأمريكي. في العلاقات الدولية، يكون التهديد فعالاً عندما يأخذ الطرف المقابل احتمال تنفيذه على محمل الجد، ويحسب تكاليفه. ولكن عندما يُختبر خيار عدة مرات ولا يتمكن من تحقيق الأهداف المرجوة، فإنه يفقد تدريجياً قيمته الردعية. ومن هذا المنظور، يعتقد العديد من المحللين أن تصريحات ترامب الأخيرة، بدلاً من تغيير المعادلات الميدانية، لها استهلاك سياسي وإعلامي.

من ناحية أخرى، لفتت التناقضات في مواقف ترامب انتباه وسائل الإعلام الغربية أيضاً. فهو من ناحية يتحدث عن تدمير إيران، ومن ناحية أخرى يؤكد استعداده للتفاوض. هذا التذبذب بين التهديد والحوار، من وجهة نظر العديد من المحللين، يشير إلى أن واشنطن لم تتمكن بعد من تصميم استراتيجية واضحة ومستدامة تجاه إيران. وقد أظهرت التجارب السابقة أنه كلما فشلت أدوات الضغط في تحقيق النتيجة، عاد مسار الدبلوماسية إلى الواجهة مرة أخرى.

في غضون ذلك، ما يهم أكثر من أي شيء آخر هو تغير الحسابات حول القدرة الردعية الإيرانية. تعترف العديد من التحليلات المنشورة في وسائل الإعلام الدولية بأنه، خلافاً لبعض التقديرات الأولية، لم يستطع الضغط العسكري كسر الإرادة السياسية والأمنية الإيرانية. هذا الأمر جعل خيارات أمريكا تبدو اليوم أكثر محدودية مما كانت عليه في الماضي، وزادت تكلفة أي قرار عسكري جديد.

وعليه، فإن تكرار نفس الخيار الذي فشل سابقاً في تحقيق الأهداف المعلنة لواشنطن، لن يحقق لترامب مكسباً جديداً، بل قد يضيف إلى ملف إخفاقاته تجاه إيران. فالرئيس الذي وعد مراراً بتغيير سلوك إيران من خلال الضغط الأقصى، يواجه اليوم ظروفاً يتحدث فيها حتى جزء من وسائل الإعلام الغربية عن محدودية الخيارات المتاحة لأمريكا.

في النهاية، مما يمكن استخلاصه من مجمل هذه التطورات، هو أن معادلة إيران وأمريكا دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لم يعد فيها تكرار التهديدات العسكرية يعني بالضرورة زيادة القوة التفاوضية لواشنطن. لقد أظهرت تجربة الأشهر الماضية أن استخدام الأداة العسكرية لم يتمكن من تحقيق الأهداف المعلنة لأمريكا، وهذا الأمر جعل فضاء اتخاذ القرار في البيت الأبيض أكثر تعقيداً مما كان عليه في الماضي. في ظل هذه الظروف، فإن أي تهديد جديد، بدلاً من أن يكون مؤشراً على امتلاك خيارات متعددة، هو تذكير بمحدودية الأدوات التي جُرِّبت سابقاً ولكنها لم تحقق النتيجة المنتظرة لواشنطن. من هذا المنظور، يمكن اعتبار تكرار خطابات ترامب، أكثر من أي شيء آخر، محاولة للتعويض عن سجل مكلف في مواجهة إيران؛ سجل يبدو مع كل تهديد مكرر أثقل من ذي قبل.

/انتهى/

رمز الخبر 1972156

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha