ازمة كورونا كشفت النزعة اللاإنسانية المتوحشة للرأسمالية والنيوليبرالية

رأى الخبير الاستراتيجي الدكتور أمين محمد حطيط ان ازمة كورونا كشفت حقيقة الرأسمالية في علاقتها مع الأنسان، حيث ظهر الضعف البنوي في نظام الرعاية الصحية في الدول التي صنفت نفسها بانها " العالم الأول " المتقدم والمتفوق على الأخرين .

وكالة مهر للأنباء - محمّد مظهري: تستمر تبعات انتشار فيروس كورونا في العالم بلا توقف، ولا تمرّ ساعة بدون أخبار جديدة مثيرة تتعلق بالشأن الاقتصادي أو بأسواق المال أو أعداد الضحايا أو الاتجاه نحو المزيد من الإغلاق والعزل. 

وفي الوقت الذي يتوقع أن تئن فيه اقتصادات العالم بشكل أو بآخر، فإن هناك العديد من الدول التي سيكون وقع تأثير الفيروس عليها أكبر من غيرها فإن تأثير الفيروس على اقتصادات بعض البلدان في أوروبا وأميركا يكاد يكون مدمرا في ضوء هشاشة البنى التحيتية وخاصة الصحية في بعض الدول ما يثير اسئلة بشأن اعادة تعريف مفهوم الدولة القوية وضرورة الاستدارة من التعويل على القوة العسكرية الى تعزيز البنى التحتية.

وفي هذا المجال أجرت وكالة مهر للأنباء حواراً مع الاستاذ الجامعي عميد الركن امين محمّد حطيط لتسليط الضوء على تبعات كورونا على موازين القوى الدولية. فيما يلي نص الحوار:


1.  ما هي تبعات وتأثيرات ظهور ازمه كورونا في توازن القوى العالمية؟
تسبّب الفيروس كورونا الذي انقلب ليصبح وباءا يجتاح العالم، تسبب بأزمات متعددة العناوين، وأسقط الأقنعة عن حالات قائمة وأظهر فضائح على أكثر من صعيد. وهنا نسحل ما يلي:
- سقوط هالة الدول التي صنّفت نفسها بانها " العالم الأول " المتقدم والمتفوق على الأخرين وانكشاف حقيقة الرأسمالية في علاقتها مع اإنسان، حيث ظهر الضعف البنيوي في نظام الرعاية الصحية لتلك الدول وانخفاض مستوى المناعة لدى شعوبها وبالتالي تشكل واقع يشير إلى ان المعسكر الذي كان يسيطر على العالم باعتباره المعسكر الذي انتصر في الحرب الثانية نصرا مكنه من حكم العالم هو معسكر يعاني من الثغرات ونقاط الضعف ما يمكن من التفلت من سيطرته خاصة وان هناك حقائق انكشفت وتنذر بتفككه.
-وقوع الخلافات بين مكونات معسكر الرأسمالية الغربي بسبب السلوك الأناني لتلك المكونات وأحجام بعضها عن مساعدة الآخر ما فتح المجال واسعا أمام فرضية مراجعة التحالفات والاصطفافات الدولية إلى الحد الذي ظهر من يقول ان عالم ما بعد كورونا وتكتلاته لن يكون كعالم ما قبله ويكفي ان نتوقف عند صورة نائب رئيس البرلمان الإيطالي وهو ينزع علم الاتحاد الأوربي ليضع مكانه علم روسيا التي يصنفها الحلف الأطلسي عدوا.
-ظهور قدرة الصين وروسيا على التعامل مع جائحة خطيرة وقدرتهم على استيعابها، ثم ظهور قدرة مادية ونزعة إنسانية لديهم لتقديم المساعدة المتاحة والممكن تقديمها للغرب ما أحدث انقلابا في المفاهيم والعلاقات الدولية.
وبالخلاصة نقول انه وكما ان كل حرب عالمية تنتهي برسم خريطة تحالفات وتشكل معسكرات جديدة فان وباء كورونا الذي فرض نوع من أنواع الحرب العالمية سيقود إلى خريطة استراتيجية جديدة في العالم يخسر فيها الغرب عامة وأميركا خاصة الموقع الطليعي دوليا لتتقدم قوى أخرى في طليعتها الصين وروسيا وإيران، ثم تتشكل تحالفات وتفاهمات وتكتلات جديدة مختلفة عن السابق وستكون القاعدة التي يقوم عليها النظام العالمي الجديد الذي ستخسر أميركا حتما موقعها الأول في العالم.

۲. إذا نفترض ان النظام العالمي الحديث يرتكز  على النزعة الليبرالية الجديدة ... ماذا كشف لنا عجز الدول المتقدمة في مواجهة كورونا؟
ان اخطر ما كشفه فيروس  كوفيد -19 هو النزعة اللاإنسانية و اللاأخلاقية المتوحشة للرأسمالية و النيوليبرالية حيث ظهر ان الرأسمالية تعبد المال و لا تعتني بالإنسان ، وتجلى ذلك من خلال انكشاف وهن نظام الرعاية الصحي لدى الغرب النيوليبرالي الذي يرى مصالحه في الاستثمار المادي و ليس في الرعاية الصحية للإنسان .

كما انكشفت النزعة الأنانية لديهم لا بل الوحشية الفظة في السلوك من خلال قطع الطرق و مصادرة المساعدات الصحية الموجهة لبعضهم فيصادرها البعض الأخر او من خلال القبول بفكرة موت المتقدمين بالسن عبر عدم تقديم الإسعافات الطبية لهم بحجة الأفضليات او عدم جدوى إسعافهم و هو سلوك يصنف قتلا بكل معنى الكلمة . كورونا اظهر ان الشخص النيوليبرالي يتصرف كوحش بريد المادة وليس كانسان في خدمة الإنسانية.


۳. هل تتوقع استدارة الثقل الاقتصادي-السياسي من الغرب إلى الشرق إثر مواجهة العالم لفيروس كورونا؟
كما هو ظاهر تسبب وباء كورونا إلى انهيار اقتصادي عالمي عام و كان للغرب الحصة الأكبر في هذا الانهيار بينما استطاعت الدول التي أقامت اقتصادها على قواعد غير رأسمالية ان تحدد من خسائرها أولا و ان تستفيد من  تراجع الغرب اقتصاديا ثانيا و المثل الصارخ هو ما حصل في الصين التي رغم خسائرها لم تلامس الانهيار او الركود و كيف استطاعت ايران ان تتكيف مع الوضع و كيف تصرفت روسيا في وقت تصرخ فيه دول الغرب و تأن من حجم الخسائر التي لحقت بها و أحدثت لديها ركودا  اقتصاديا غير مسبوق منذ 90 عام و لذلك نرتقب استدارة اقتصادية سياسية عالمية من الغرب إلى الشرق تجعل من الصين راس الهرم الاقتصادي العالمي مع تراجع اروبي إلى المراتب الثانية و تبقى أميركا تلهث لتزاحم المتقدم دون جدوى.


٤. ازمه كورونا أبرزت مرة أخرى مفاهيم قومية وضرورة الاكتفاء الذاتي وهشة مفهوم العالمية والدليل على ذلك تصرفات أمريكا والاتحاد الأوروبي ... ما هو تعليقكم؟

فرض وباء كورنا الذي لم يوجد له حتى الأن علاج  ولم يكتشف طعم يقي منه فرض أغلاق الحدود بين الدول بحجة الحجر الصحي لمنع انتشار الوباء ، أغلاق تسبب بمضاعفات متعددة منها الاقتصادي و الاجتماعي  ما قضي على الأقل مؤقتا على فكرة العولمة (و نرى حقيقة انه اسقط العولمة ) و فرض الانكفاء إلى الداخل لإنتاج السلع للاستهلاك الذاتي خاصة منها الغذائية و حاجيات الأنسان الشخصية و ظهر في هذه المناسبة ان الدول التي تعتمد أساسا سياسة الاكتفاء الذاتي المحلي هي الدول الأقل خوفا  و الأكثر طمأنينة في العالم كما هو حال ايران التي حققت في العقد الأخير نسبة اكتفاء ذاتي تتجاوز ال 80% .و على هذا الأساس نرى ان وباء كورنا سيفرض على العالم كله مراجعة السلوك الاقتصادي الوطني ويفرض عودة الاقتصاد الإنتاجي جع الاقتصاد الريعي من  اجل رفع درجة الاكتفاء الذاتي لدى كل دولة قادرة عليه الأمر الذي سيعزز مفاهيم القومية و الانطواء على حساب العولمة و الانفتاح .


٥. هل تتوقع ان تتوجه الحكومات من التعويل على الميزانية العسكرية باعتبارها مؤشر القوة إلى تعزيز البنى التحتية والصحية وتغيير في مفهوم الدولة القوية؟
أسقط وباء كورونا فكرة القوة القائمة على جناحي القوة العسكرية والقوة الاقتصادية فقط كما تعتمد النيوليبرالية، وهي القوة التي يكون الأنسان في خدمة المادة، قوة التي تكترث بحقوق هذا الأنسان ولا بمشاعره، وفرض مفهوم أخر للقوة يقوم على ان نواة القوة هو الأنسان المنيع والعقائدي المسيطر على المادة. أي ان هناك انقلاب جذري للصورة إذ بدل ان يكون الأنسان في خدمة المادة كما ه الحال في الفكر النيوليبرالي ظهر وجوب ان تكون المادة في خدمة الأنسان كما هو في الفكر المناهض لليبرالية وهنا سيكون تحول في السياسيات الاقتصادية والنظم الاجتماعية والبنى التحتية في الدول والمجتمعات و لن يكون ممكنا بعد الكوارث التي وقعت بسبب الفيروس لن يعد ممكنا الاستمرار بالسياسات الظالمة السابقة .وهنا نضرب مثل أميركا التي اعتنت بمصانع الأسلحة وأهملت الرعاية الصحية او فرنسا التي أغلقت الكثير من المؤسسات والمستشفيات والمراكز الصحية لأنها غير إنتاجية فجاءت الجائحة وكشفت المخاطر والفظاعة هذه التي دفع الأنسان سببها. ولهذا سننتظر في الغرب "ثورة اجتماعية على النظم القائمة حاليا " ثورة تلزم الحكومات بان تكون مؤسساتها المخصصة لرعاية الأنسان وخدمته متقدمة على مؤسسات انتتاج الأسلحة والذخائر. جائحة كورنا ستفرض مفهوما جديدا للاقتصاد الإنتاجي وتحول الإنتاج من وجهة إنتاج وسائل القتل والتدمير إلى بناء مرافق الحياة وحماية الأنسان.


٦. كيف ترى مكانة أمريكا التي تعتبر نفسها زعيمة العالم في مرحلة ما بعد كورونا؟
ان المتضرر الأول عالميا من وباء كورونا هو أميركا. وأضرارها متعددة الوجوه استراتيجية واقتصادية وسياسية حتى وعسكرية. وبالتالي هناك أسئلة ستطرح عن إمكانية او قدرة استمرار الولايات المتحدة الأميركية موحدة فعلا أم ستتفكك، كما ان هناك سؤال أخر حول إمكانية بقاء الحلف الأطلسي وبقاء أميركا بحكم المستعمر في أوروبا او انهيار كل ذلك هذا فضلا عن الخسارة الأكيدة لأميركا لموقعها الأول في العالم وضياع فرصة إقامة النظام العالمي الأحادي القطبية بقيادتها، حيث أصبح هذا الأمر من التاريخ ويكون منفصلا عن الواقع من يفكر بإمكانية العودة اليه.

رمز الخبر 1903327

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 3 + 5 =