٢٦‏/١٠‏/٢٠٢٦، ٩:٥٢ ص

حقّ النقض الإيراني في مضيق هرمز

حقّ النقض الإيراني في مضيق هرمز

تسلّط تصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بشأن تداعيات الحرب على إيران الضوء على الفجوة بين الأهداف المعلنة لواشنطن والواقع الذي أفرزته المواجهة، ولا سيما في أمن الطاقة والتكاليف العسكرية وموقع الولايات المتحدة الإقليمي، وسط إقراره بأن إيران باتت تمتلك قدرة مؤثرة في حركة عبور الطاقة.

وكالة مهر للأنباء: باراك أوباما انتقد، خلال تجمع انتخابي للديمقراطيين في الولايات المتحدة، قرار الرئيس دونالد ترامب بدء الحرب على إيران، واصفاً إياها بأنها حرب غير ضرورية، ومشيراً إلى ما تكبّدته واشنطن من خسائر وتكاليف عسكرية واسعة.

من وعود الانتصار إلى تصاعد تكاليف الحرب

أشار أوباما إلى مقتل عسكريين أمريكيين وإصابة المئات، وتضرر قواعد عسكرية وحلفاء لواشنطن، فضلاً عن تراجع مخزونات الصواريخ الأمريكية، متسائلاً عن الحصيلة التي حققتها الحرب بعد نحو سبعة أشهر من اندلاعها.

ولا تقتصر أهمية هذه التصريحات على معارضة رئيس أمريكي سابق لسياسات الرئيس الحالي، بل تكمن أيضاً في صدورها عن شخصية بارزة داخل المؤسسة السياسية الأمريكية التي بررت اللجوء إلى القوة العسكرية بأهداف من بينها احتواء القدرات الإيرانية وتغيير حسابات طهران. وفي المقابل، يسلط أوباما الضوء على تكاليف الحرب وتزايد قدرة إيران على التأثير في أحد أكثر الممرات حساسية للاقتصاد العالمي.

ولا تثبت هذه التصريحات، بحد ذاتها، إخفاق جميع الأهداف الأمريكية، لكنها تشير إلى أن تقييم نتائج الحرب لا يمكن أن يقتصر على حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية، بل يتطلب مقارنة الأهداف الأولية لواشنطن بالواقع الأمني والاقتصادي والاستراتيجي الذي تشكّل بعد أشهر من المواجهة.

فإذا كان الهدف من الحرب تقليص نفوذ إيران، فإن اتساع أدوات الضغط التي تمتلكها طهران في مضيق هرمز يمثل مؤشراً على أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل.

مضيق هرمز.. ورقة ضغط تغيّر حسابات واشنطن

تتمثل أبرز نقاط حديث أوباما في إشارته إلى أن إيران باتت تمتلك ما وصفه بـ«حق النقض» في مضيق هرمز، في تعبير عن قدرة طهران على التأثير في تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية. ويعكس ذلك حقيقة استراتيجية مفادها أن ضمان أمن عبور الطاقة عبر هذا الممر لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن موقع إيران وقدراتها وقراراتها.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة في العالم، ويمكن لأي اضطراب في حركة ناقلات النفط عبره أن يخلّف تداعيات تتجاوز المنطقة، تشمل ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل، وتصاعد الضغوط التضخمية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي عملية عسكرية تؤدي إلى زيادة المخاطر الأمنية في هذا الممر قد تفرض على الاقتصاد العالمي تكاليف تتجاوز بكثير حدود ساحة المواجهة.

واستراتيجياً، لم يكن على واشنطن، بعد دخولها الحرب، تحقيق أهدافها العسكرية فحسب، بل كان عليها أيضاً احتواء تداعيات المواجهة على أمن الطاقة. وتكشف انتقادات أوباما أن هذا الجانب بات إحدى نقاط الضعف في حسابات إدارة ترامب، إذ إن التفوق العسكري الأمريكي لا يضمن بالضرورة القدرة على التحكم في جميع التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية لمواجهة إقليمية.

مفارقة استراتيجية.. إضعاف إيران أم تعزيز أوراق طهران؟

تتمثل إحدى المسائل الأساسية في الحرب في الفجوة بين أهدافها المعلنة ونتائجها الفعلية. فإذا كانت واشنطن تهدف إلى تقليص قدرة إيران على التأثير في التطورات الإقليمية عبر الضغط العسكري، فإن ازدياد حساسية أسواق الطاقة للقرارات الإيرانية قد يؤدي إلى نتيجة مغايرة لما أرادته الولايات المتحدة.

وفي مثل هذه الظروف، لا تُقاس القدرة الردعية بعدد الطائرات والسفن والصواريخ وحده، بل تشمل أيضاً القدرة على فرض تكاليف على الطرف المقابل، والتأثير في حساباته الاقتصادية، وتضييق خياراته السياسية والعسكرية.

وإذا كانت الحرب تهدف إلى تعزيز موقع الولايات المتحدة، لكنها أدت إلى زيادة تكاليف وجودها العسكري ورفع حساسية الأسواق العالمية تجاه التطورات المحيطة بإيران، فإن ذلك قد يجعل حسابات واشنطن أكثر تعقيداً.

أمن الخليج الفارسي.. العودة إلى ما قبل الحرب ليست مضمونة

لا تقتصر تداعيات الحرب على مضيق هرمز وأسواق الطاقة، بل تطرح سؤالاً أوسع بشأن إمكانية إعادة الترتيبات الأمنية في الخليج الفارسي إلى وضعها السابق بعد أشهر من المواجهة.

فقد شكّل الوجود العسكري الأمريكي في دول جنوب الخليج الفارسي، على مدى عقود، أحد المرتكزات الأساسية للنظام الأمني الإقليمي. غير أن الحرب وتداعياتها قد تدفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم تكاليف ومخاطر اعتمادها الأمني على واشنطن.

وإذا تحولت القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية إلى أهداف معرضة للخطر خلال الأزمات، فقد تضطر الدول المضيفة إلى إعادة النظر في مدى الحماية التي يوفرها هذا الوجود.

وفي المقابل، من المرجح أن تؤكد إيران، بعد هذه المواجهة، ضرورة إعادة صياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية والحد من التهديدات المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي. أما طبيعة النظام الذي قد ينشأ عن هذه التطورات، فستتوقف على قرارات دول المنطقة ومسار المفاوضات والوقائع الميدانية، لكن احتمال تغير الحسابات الأمنية للأطراف المعنية لا يمكن تجاهله.

استُبعد المسار الدبلوماسي وبقيت التكاليف

في جانب آخر من تصريحاته، استشهد أوباما بالاتفاق النووي لعام 2015 بوصفه مثالاً على إمكانية التعامل مع البرنامج النووي الإيراني عبر الدبلوماسية. وذكّر بأن واشنطن لجأت خلال رئاسته إلى المفاوضات للتوصل إلى اتفاق مع طهران، بدلاً من استخدام القوة العسكرية.

وتتضمن هذه المقارنة انتقاداً مباشراً لقرار ترامب التخلي عن الاتفاق والاتجاه نحو المواجهة العسكرية. وتظهر تجربة الاتفاق النووي أن الدبلوماسية يمكن أن تكون أداة لإدارة الخلافات والحد من مخاطر الصراع، في حين قد تؤدي الحرب إلى نشوء أزمات جديدة تتطلب وقتاً وموارد ومفاوضات أكثر تعقيداً لتسويتها.

وتكمن أهمية تصريحات أوباما في أنها تطرح تكاليف الحرب من منظور يتجاوز الميدان العسكري. فتعاظم أوراق الضغط الإيرانية في مضيق هرمز، والضغوط على أسواق الطاقة، وتعقّد الحسابات الأمنية الأمريكية، كلها عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم نتائج المواجهة.

وإذا كان هدف واشنطن تغيير المعادلات الإقليمية لمصلحتها، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحرب قد حققت هذا الهدف، أم أنها أسهمت عملياً في منح طهران أدوات ضغط إضافية.

فالشرق الأوسط بعد الحرب لن يكون بالضرورة كما كان قبلها، وإن كان حجم التغيير واتجاهه سيظلان مرتبطين بالتطورات المقبلة. غير أن ما تكشفه هذه المواجهة هو أن التفوق العسكري، حتى بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يكفي وحده للتحكم في جميع تداعيات حرب إقليمية، وهو ما تعكسه تصريحات أوباما بشأن مضيق هرمز ودور إيران في أمن الطاقة العالمي.

انتهى/

رمز الخبر 1974984

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha